نفوسهم ، وضيق أفق التفكير عندهم ، والآية تبصرنا بعدة حقائق :
أولًا : أن الجهل بالله يجعل القلب متقلبا بين الغرور والقنوط ، بينما الثقة بالله تتسامى بالقلب فوق النعم ، فلا يبطر بها ، والنقم فلا ييأس بسببها .
والقلب الجاهل بربه والمتطرف بين البطر واليأس هو الميت المنكر لله ، المشرك به ، إذ ترى صاحبه يهوى إلى درك التسليم لأصحاب الثروة والسلطة رجاء رفدهم ، وخشية حرمانه .
ومن هنا تجد المؤمنين يدعون ربهم ألا يحوجهم إلى لئام خلقه ، بل لا يبتليهم بالحاجة إلى غيره لكي لا تميل نفوسهم إلى غير الله ، فيزعمون أنهم الرازقون لهم ، جاء في رائعة مكارم الأخلاق :
( اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَصُولُ بِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ، وأَسْأَلُكَ عِنْدَ الحَاجَةِ ، وأَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ عِنْدَ المَسْكَنَةِ ، ولَا تَفْتِنِّي بِالِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِكَ إِذَا اضْطُرِرْتُ ، ولَا بِالخُضُوعِ لِسُؤَالِ غَيْرِكَ إِذَا افْتَقَرْتُ ، ولَا بِالتَّضَرُّعِ إِلَى مَنْ دُونَكَ إِذَا رَهِبْتُ ، فَأَسْتَحِقَّ بِذَلِكَ خِذْلَانَكَ ومَنْعَكَ وإِعْرَاضَكَ ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ )
« 1 » .
ولعل في هذا تكمن الصلة بين هذه الآية والتي سبقتها .
ثانياً : تمهد الآية للحديث عن الصورة المشرقة التي يتحلى بها المجتمع القائم على أساس التوحيد ، والتباعد عن رجس الشرك . كيف ذلك ؟
إن كثيرا من الخصال الرذيلة تأتي بسبب حالة الجزع عند البشر ، فإنما البخل والغش والكسب الحرام كالربا وغيره من إفرازات شح النفس ( الفرح القنوط ) .
كما إن فضيلة الإنفاق والكرم والعفة تأتي من الثقة بالله ، وبأنه إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [ الذاريات : 58 ] .
وهكذا مهد السياق للأمر بالإنفاق ، والنهي عن الربا ، بمعالجة هذه الحالة البشرية .
ثالثاً : إن قلب المؤمن يعيش بين اليأس والرجاء ، ولذلك يعيش التوتر الإيجابي الفاعل الذي يبعث أبدا نحو النشاط والسعي ، بينما قلب المشرك يتطرف نحو الفرح ، فيغله جمود الغرور والبطر ، أو يتطرف نحو اليأس فيقعده القنوط عن السعي ، وهل يتحرك من لا أمل له في النجاح ! .
[ 37 ] ما علاقة هذه الحقيقة بالتوحيد ؟ .
العلاقة هي أن المؤمن يعتقد بأن الرزق من الله ، وأنه يبسطه لمن يشاء ، ويضيقه على من يشاء ،
هامش
( 1 ) الصحيفة السجادية : دعاء مكارم الأخلاق ومرضيِّ الأفعال .