تجاوز السياق الإجابة عن ذلك ، مكتفيا بالتأكيد على حتمية وقوعه ، وأن تبرير الكفر بطاعة الكبراء لن يغني عن العذاب شيئا .
ثم يوضح ربنا وجاهة النبي صلى الله عليه وآله عنده ، ناهيا المؤمنين عن التشبه ببني إسرائيل الذين آذوا موسى عليه السلام حيث اتهموه بقتل هارون ، وبالبرص ، كما ادعى عليه قارون - بالتعاون مع فاجرة من بني إسرائيل - أنه زنى بها ، لكن الله برأه من كل ذلك ، وفي هذا إشارة إلى أن أراجيف المنافقين سوف تذهب سدى بقدرة الله ، وفي الأثناء يدعو الله المؤمنين للتقوى ، ذلك أنها أساس المنطق السليم ، فهي تبعد الإنسان عن الكذب والتهمة ، وتدعوه للتثبت في منطقه ، كما تصلح سعيه في الحياة ، وتمحو أخطاءه ، ولأن التقوى لا تتم إلا بطاعة الله والقيادة الرسالية ، وجدنا الآية تصفها بالفوز العظيم .
وتختم السورة آياتها بالحديث عن أمانة عرضها الرب على السماوات والأرض والجبال ، فرفضتها خوفا من عدم تحملها ، وبالتالي من العذاب والغضب الإلهي المترتب على ذلك ، بينما تحملها الإنسان ، فخانها المنافقون والكفار بظلمهم وجهلهم ، فما هي هذه الأمانة ؟
من ناحية السياق ، جاءت الكلمة بعد الحديث عن الطاعة ، مما يوحي بأنها تعني الطاعة لله وللرسول ، وبالذات لرسول الله ، لما في طاعته من خروج من سجن الذات ، الأمر الذي يستصعبه البشر ، فقد يكون سهلا عليه الاستجابة للقيادة في الأمور العادية كالصلاة ، والزكاة ، والحج ، ولكن من الصعب عليه الخضوع لإنسان مثله في الظاهر لو نصبه الرسول قائدا له .
وهناك أقوال أخرى حول الأمانة تبناها بعض المفسرين ، فقال بعضهم أنها الأمانة المتعارفة ، كما لو أعطاك شخص ما ماله لتحفظه له فإن ذلك مما يصعب على الإنسان رعايته وأداؤه ، وقال آخرون : أنها العقل والعلم والإرادة والحرية ، ومثلوا على ذلك بأن الله وهب العقل للإنسان من دون المخلوقات الأخرى كالحيوانات ، ووهبه الإرادة والاختيار دون الملائكة الذين جردهم عن الشهوة الدافعة لهم باتجاه الشر والفساد ، وقد وصفهم عز وجل بقوله : بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ( 26 ) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [ الأنبياء : 26 - 27 ] .
وكل هذا صحيح ولكن التجربة الحقيقية للإنسان بعقله وعلمه واختياره إنما تكون في طاعة الرسول بتمام المعنى ، التي تعتبر أصعب تجليات الاختيار في حياة البشر ، فلا معارضة إذن بين القول بأن الأمانة هي العقل ، وبين القول بأنها الطاعة للرسول بدلالة السياق القرآني .
من هدى القرآن — صفحة 242
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٤٢