فالإنسان مرهون بعمله .
[ 13 ] وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ كل مخطئ يتحمل خطاياه بقدر عمله ونيته ، ويحمل مع أوزاره أوزار من تبعوه وزر السنة السيئة والدعوة إليها ووزر عمل الأتباع ، وهذا التحمل لا ينتقص من مسؤولية الذين اتبعوهم .
إن كل خطيئة تتحول يوم القيامة إلى غل يناط بعنق المذنب ، فكم سيحمل الجاني المضلل من أغلال يوم القيامة ؟ ! وسيواجهون يوم القيامة ويسألون عن افتراءاتهم بأنهم يتحملون الخطايا عن أتباعهم ليغروهم للضلالة . وسيرون أن لكل من الضالين والمضلين نصيب من العذاب .
إن من يظلم إنساناً ، أو لا يعطي حقا من حقوق الله كالزكاة أو الخمس ، أو يغتصب أرضا فإن ذلك يتحول إلى ثقل يحمله على ظهره يوم القيامة . وفي الحديث : روى الطبرسي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال :
« مَا مِنْ رَجُلٍ لَايُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا جُعِلَ فِي عُنُقِهِ شُجَاعٌ « 1 » يَوْمَ الْقِيَامَةِ »
« 2 » .
ثم يذكرنا الرب - مرة أخرى - بقصة نوح فإبراهيم ، ويعود السؤال إلى أذهاننا : لماذا هذا التكرار ؟ ونقول : إن الحوادث التي خلدها القرآن كانت ذات أهمية قصوى ، فليست حادثة الطوفان ، أو مجمل قصص إبراهيم وسائر المسلمين هينة نسمعها مرة ونمضي عنها ، لا بد أن تحفر في قلوبنا ، وتتحول إلى وعي إيماني عميق ، يسمو بالبشرية أبدا إلى التكامل المعنوي ، وهكذا يكرر الذكر هذه الظواهر المرة تلو الأخرى ، ويعتصر منها عبرها وآياتها وحكمها ، ويلعن الظالمين ليصبحوا عبرة ، ويكرم أنبياءه الكرام ليصبحوا أئمة وهداة .
[ 14 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً ورغم هذه المئات التسع والخمسين سنة لم يؤمن قوم نوح به ، فاضطر عليه السلام أن يدعو ربه لينزل عليهم العذاب فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ لم يأخذهم الطوفان إلا لأنهم كانوا ظالمين .
[ 15 ] فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ حيث أهلك الله أولئك الظالمين جميعا بذلك الطوفان الرهيب الذي وسع البسيطة ، إلا فئة محدودة كان الله قد أمرها بصنع سفينة في الفلاة ، ثم ركبوها وبدأ الطوفان . أوليس في ذلك آية للعالمين ؟ ! .
هامش
( 1 ) بضم الشين : ضرب من الحيات .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 7 ص 141 .