وهكذا كانت سيرة النبي صلى الله عليه وآله فقد روى جابر بن عبد الله الأنصاري قال : ( خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله يُرِيدُ فَاطِمَةَ عليها السلام ، وَأَنَا مَعَهُ ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى الْبَابِ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَدَفَعَهُ ثُمَّ قَالَ :
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ .
فَقَالَتْ فَاطِمَةُ :
عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ الله ،
قَالَ صلى الله عليه وآله :
أَدْخُلُ ؟ .
قَالَتْ عليها السلام :
ادْخُلْ يَا رَسُولَ الله .
قَالَ صلى الله عليه وآله :
أَدْخُلُ أَنَا وَمَنْ مَعِي ؟
فَقَالَتْ عليها السلام :
يَا رَسُولَ الله لَيْسَ عَلَيَّ قِنَاعٌ .
فَقَالَ صلى الله عليه وآله :
يَا فَاطِمَةُ خُذِي فَضْلَ مِلْحَفَتِكِ فَقَنِّعِي بِهِ رَأْسَكِ .
فَفَعَلَتْ ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وآله :
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ .
فَقَالَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام :
وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ الله ،
قَالَ صلى الله عليه وآله :
أَدْخُلُ ؟ .
قَالَتْ عليها السلام :
نَعَمْ يَا رَسُولَ الله ،
قَالَ صلى الله عليه وآله :
أَنَا وَمَنْ مَعِي ؟ .
قَالَتْ عليها السلام :
وَمَنْ مَعَكَ »
« 1 » .
بهذه الرقة والتودد ، أدبنا الإسلام .
ويحسن بنا الانتباه إلى نهاية الآيات ، فعادة ما تكون نهايتها مفاتيحها ، كما تكون الآيات الأخيرة في السورة مفاتيح لها ، وهنا يقول تعالى : وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ . ويختم الآية بهذه الصفة الإلهية بعد أن يطرح مجموعة من القوانين والأنظمة لماذا ؟ .
الجواب : لعله لأن للإنسان قدرة التفاف هائلة على القانون ، وتحويله إلى قشرة دون أي محتوى ، ولكي يحذر الله سبحانه الناس ، من الالتفاف حول النظام الإسلامي يحثهم على الالتزام به بدقة وإخلاص ، ويذكرهم بأنه يعلم حقيقة أعمالهم ، فلا مناص لهم من النصح في تطبيق الأحكام ، فقد يخادع الإنسان أصحاب البيت فيوهمهم حين دخوله أنه يقصد هدفا شريفا ، وواقعه خلاف ذلك ، ولكنه لا يستطيع أن يخدع الله لأنه عليم بما يعمل الناس .
ودخول كهذا ، هو كما لو دخل بدون إذن لا فرق إذ لو علم أصحاب البيت بقصده السيئ لما أذنوا له بالدخول .
وكثيرا ما يمتهن بعض المجرمين المهن التي تساعدهم على دخول البيوت ، بحجة القيام بخدمات معينة لأصحاب المنزل كاصلاح بعض متاعهم ، فيجدون بذلك فرصة سانحة للاطلاع على أعراض الناس ، والتجسس على المؤمنين ، ولا يعلمون أنهم بذلك قد ارتكبوا جريمتين :
الأولى : جريمة الدخول بدون إذن ، لأن هدفه سيئ .
الثاني : جريمة الإفساد في الأرض .
ولئن أفلت هؤلاء من علم أهل البيت أو السلطات الشرعية ، فلن يفلتوا من علم الله .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 5 ص 528 .