قضاء إلهي مفاجئ ، يأتي لتصحيح مسيرة البشر بصورة غيبية .
والرسالة كما في الآية ( 43 ) أداة لرؤية الحقائق وتوضيحها ، ومنهج لمعرفة العلوم ، وهي في نفس الوقت علم ومعرفة وهدى ، كما إن الرسالة تأتي لإتمام الحجة على الناس لكي لا يقولوا غدا : لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا ! فقد اقتضت حكمة الله أن يكون الإنسان حرا في حياته ، ويمنح فرصة الهداية من قبل الله ، ولم يشأ ربنا العزيز إكراه الناس على الهدى بالرسل جبرا ، فالهداية ذاتها هي مسؤوليتهم ، كالذي يعطيك الكتاب ولا يمنحك العلم ، وإنما يوفر لك فرصته ، وهكذا الرسالة بالنسبة للناس ، ويوم القيامة تكون الحجة البالغة لله علينا ، ثم إن السياق يعتبر صلة بين عبر الأمم الغابرة ، وسنن الرسل السابقين ، وبين رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله .
بينات من الآيات :
كتاب موسى
[ 43 ] وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى في هذا الشطر يلخص القرآن الدورة الحضارية ، فهي تبدأ برسالة إلهية وشخص أو جيل رسالي ، ثم تنتهي بثقافة جاهلية ، وجيل منحرف ينذره الرب ، فإن لم ينتفع بالنذر أهلكه ، ولا ريب أن هذه الدورة ليست حتمية ، فلو قدر أن تمسك الناس برسالات الله لما أهلكهم الله ، كما قدر لقوم يونس ذلك .
ثم يقول ربنا عن الكتاب الذي أنزل مع موسى : بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً في الوقت الذي تكون رسالات الله منهج للرؤية ( البصيرة ) فإنها بذاتها علم ومعرفة توصل البشر إلى الحقائق ، فمن جهة تعطي الإنسان بصيرة في الحياة تجاه الأشياء والأحداث ، لأنها تحتوي على سنن الله في الحياة ، وتحمل في طياتها مقاييس ومعايير تحدد له الرؤية النظرية السليمة ، ومن جهة أخرى تحتوي على العلم والهدى اللذين يرسمان له الموقف العملي الحق لو اتبعها .
وقد يكون الفرق بين العلم والهدى : أن العلم هو مجرد اتصال الإنسان بالحقائق ، أما الهدى فهو تفاعله معها ، وانتفاعه منها ، وجاء في الدعاء :
« أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ »
« 1 » . يقصد به العلم الذي لا يعمل به .
وعندما لا يعمل الإنسان بالعلم فإنه يضل ويجهل ، بل وينسى العلم نفسه ، أما حين
هامش
( 1 ) مصباح الكفعمي : ص 229 .