السبيل إلى معرفة الوحي .
ويمضي السياق في بيان حرص النبي على هداية قومه ، حتى ليكاد يهلك نفسه ، ويسليه بأن حكمة الله قضت بأن يكون الناس أحرارا ، وإلا فهو قادر على أن ينزل عليهم آية يكرههم بها على الإيمان ، ولكنهم لن يهربوا من جزاء أعمالهم .
ويعود السياق يذكرنا بربنا الذي أنبت الأرض من كل زوج بهيج ، لعلنا نهتدي إلى ربنا بهذه الآية ، ونعرف أنه العزيز الرحيم ، ونعرف بالتالي أنه أرسل بعزته ورحمته أنبياء ، فقد أمر موسى عليه السلام بأن يأتي الظالمين من قوم فرعون ، ويحذرهم عذاب الله ، ولكن موسى خشي تكذيبهم ، وخاف أن يضيق صدره ، ولا ينطلق لسانه بكل معاني الرسالة ، وطلب أن يكون أخوه هارون معه رسولا ، وطلب العون من الله لمواجهة خطر الموت على يدهم ، لأنه قتل منهم شخصا ، وجاءه النداء : كلا . . وعاد الرب وأمره بالذهاب إليهم ، وطمأنهم بأنه سيكون معهم .
بينات من الآيات :
[ 1 ] طسم تحدثنا عن الحروف المقطعة في القرآن أكثر من مرة ، وقلنا : أنها إشارة إلى القرآن ، وأنها رموز بين الله وأوليائه .
وجاء في الحديث المأثور عن الصادق عليه السلام :
« وَأَمَّا
طسم
فَمَعْنَاهُ أَنَا الطَّالِبُ السَّمِيعُ المُبْدِئُ المُعِيدُ »
« 1 » .
[ 2 ] تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ تأتي هذه في الجملة الأغلب بعد الحروف المقطعة ، مما يدعونا إلى الاعتقاد بأن المعنى الظاهر لتلك الحروف هو الإشارة إلى القرآن وحروفه .
[ 3 ] لأن إخلاص الرسول شديد لرسالة ربه ، وحرصه على مصلحة الناس عظيم ، فهو يكاد يهلك نفسه حينما يرى كفر الناس بالرسالة لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ .
[ 4 ] ولكن هل الرسول قادر على ما يريده من إيمان الناس بالرسالة من دون إذن الله ، كلا . . لأن الله منح الناس حرية القرار ، ولم يرد إكراههم على الإيمان ، ودليل ذلك أنه لا ينزل عليهم عذابا غليظا يجعلهم خاضعين للحق .
إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ولكن ربنا شاء أن يؤمنوا بكامل حريتهم ، ولو أنزل عليهم عذابا فآمنوا خشية وقوعه عليهم لم يكن ينفعهم إيمانهم ، إنما
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 89 ص 373 .