وكذلك فرق بين صلة الرحم وبين الكفر بسبب الرحم فالعلاقة التي تربط بين الأب وابنه إذا كانت علاقة بعيدة عن الإيمان بالله سبحانه وتعالى وشكره ، فإنَّ هذه العلاقة هي علاقة الكفر وتناقص الشكر لله سبحانه ، بينما إذا كانت العلاقة هي علاقة الشفقة التي هي امتداد لعلاقة الإنسان بالله ، كأن أقول : إني أحب ابني وأساعده لأنّه نعمة من الله سبحانه ، فهنا تكون العلاقة امتدادية ، وآنئذ تصبح هذه العلاقة علاقة الرحم ، والتي يعبّر عنها القرآن فيقول : وَأَقْرَبَ رُحْماً والكلمتان الأخيرتان جاء بهما القرآن لتتقابل مع الكلمتين الأوليتين ، فالزكاة والرحم في مقابل الطغيان والكفر .
بين المصلحة العامة والخاصة
الأحكام الشرعية عموماً ليست محصورة بمصلحة الأفراد ، وإنما هي متجهة إلى المصلحة العامة ، والمصلحة العامة هي : مصلحة الأفراد مجتمعين ، بينما المصلحة الخاصة هي : مصلحة الأفراد منفصلين ، ومن الطبيعي أن تتفوق مصلحة الأفراد مجتمعين على مصلحة الأفراد منفصلين ، وبصورة خاصة عند التعارض ، فمثلًا مصلحة مليون إنسان أهم من مصلحة خمسة أفراد .
وعندما نقول المصلحة العامة فنحن نقصد بها مصلحة البشر ، وليس من المعقول أن يترك الإسلام مصلحة البشر ككل من أجل مصلحة أفراد قلائل .
إن الثقافة الرأسمالية التي تؤكد على المصلحة الفردية هذا التأكيد المبالغ فيه ، إنما هي ثقافة استغلالية يبرر بها المنحرفون الجشعون استثمارهم للآخرين ، وسيطرتهم اللامشروعة عليهم ، وأنهم ينادون بالملكية وبالمصلحة الفردية .
إن الخير والشر لا يقاسان بالفرد ، بل يقاسان بالمجموع ، الخير هو ما ينفع الناس ، والشر ما يضر الناس ، فإذا نفعني شيء وضر الآخرين فهو شر ، ومفهوم الكلمة منذ البداية مفهوم شامل جماعي ، ولا ريب أن كل شر في العالم ينفع شخصاً ما ، فهل يتبدل مفهوم الشر لأنه ينفع شخصاً واحداً أو مجموعة صغيرة من أبناء المجتمع الإنساني ؟ ! .
وربما تكون الآيات الكريمة دالة على هذه الحقيقة وهي : إن المصلحة حقاً والمنفعة صدقا إنما هما بالقياس إلى المجموع ، وأن الأحكام الشرعية لا تعطي صفات مطلقة لبعض المفاهيم ، فالملكية الفردية ليست سداً أمام الإسلام ، وكذلك حرمة الأفراد ، علماً باني لا أنفي اهتمام الإسلام بالملكية ، ولكنه محدود بمصالح الآخرين ، وعندما يبدأ الضرر بالآخرين فإن حرمة الملكية تنتهي .
من هدى القرآن — صفحة 83
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٨٣