اعترفوا بالتقصير ، وسعوا نحو مرضاة الرب .
[ 110 ] فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ إن الاستهزاء من المؤمنين يحمل في طياته السخرية من مبادئهم ، ولكنه يحوِّل الصراع إلى صراع شخصي ، حيث يعادي الكفار أشخاص المؤمنين ويسقطون هيبتهم من أنفسهم ، ويحقرون كل أفعالهم وتصرفاتهم ، وبالتالي ، يصبح حاجزاً نفسياً دون التفكير في المبادئ التي يدعون إليها ، ولعلَّ ذلك هو ما أشار إليه القرآن هنا بقوله : حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي .
أما قوله : وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ فهو الجانب السلوكي والعملي لحالتهم النفسية حيث كانوا يتخذونهم سخرياً .
[ 111 ] لقد كان المؤمنون في الدنيا عرضة لألوان البلاء والمشاكل ، من السخرية والضحك و . . ولكنهم استقاموا وصبروا فكان جزاؤهم الجنة إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ ويبدو من الآية أنّ من أعظم الصبر الصبر على تجريح الشخصية ، ولذلك نجد أبرز صفات المؤمنين حقاً أنهم لا يأبهون باللوم ولا يخافونه .
[ 112 ] ثم يسألهم الله : قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ لنرى كيف كانت الدنيا التي بعتم الآخرة بها ؟ ! .
[ 113 ] فيأتي الجواب : قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ وهذا التقدير يأتي نتيجة الفرق بين الآخرة والدنيا من زاوية الزمان .
[ 114 ] قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ لو كنتم تعرفون بأن الحياة الحقيقية والخالدة تبدأ بعد الدنيا .
إن وعي الزمن وامتداد نظر الإنسان إلى أبعد نقطة في المستقبل شرط أساسي للتكامل ، ولأن أسمى التكامل الإيمان فإنَّ المؤمن يقدر الزمن في الدنيا بميزان الخلود الأبدي في الآخرة ، ولذلك يفوز بالصبر لأنه سبق وإن أحسن التقدير .
ويبدو أن النظر إلى الزمن ومقدار وعيه يشكل أساس الإيمان بالآخرة ، والقرآن الحكيم يعالج هذه الناحية من نفسية البشر ، فلو كانوا يعلمون لعرفوا أن كل الفترة التي يقضونها في الدنيا قليلة في حساب الآخرة ، فلماذا خسارة الآخرة بهذه الفترة القليلة ؟ ! .
[ 115 ] أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ هل كانت حياتكم الدنيا بلا هدف ؟ ! أم هل من الحكمة أن يخلق الإنسان للأكل والشرب ثم يموت ؟ ! .
من هدى القرآن — صفحة 494
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٩٤