في توجيه الإنسان إلى الله واضحاً في آيات الذكر الحكيم ، والذي أسميه بالأسلوب الوجداني الذي يبدأ بتزكية القلب ، وإجلاء الدرن والصدأ عنه ، ويكشف عن الحجب ليتصل بنور معرفة الله بصورة مباشرة ، وآنئذ نعرف معنى قول الإمام علي عليه السلام : حين يسأله ذعلب قائلًا : [ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ عليه السلام :
وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ مَا كُنْتُ أَعْبُدُ رَبّاً لَمْ أَرَهُ
. فَقَالَ : يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ كَيْفَ رَأَيْتَهُ ؟ قَالَ عليه السلام :
وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْأَبْصَارِ وَلَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ ]
« 1 » .
بينات من الآيات :
[ 72 ] من العقبات التي تعترض طريق البشر إلى الإيمان هو زعمه : بأن إيمانه سيكلفه التضحية بالمال ، دون أن يعلم بأن الإيمان يدفع المجتمع لانتهاج شريعة متكاملة توفر له التعاون ، والعدالة ، والنشاط ، وفي مثل هذا المجتمع يستطيع الإنسان كسب المزيد من الثروة ، والمزيد من السعادة ، ولو أنه حسب ما ينفقه في سبيل الله خمساً ، أو زكاة ، أو نشاطاً ، خسارة ومغرما ، فلأنه لا يعلم بأن تدوير الثروة وتوزيعها بالعدل يساعد على نشاط المجتمع ، وبالتالي على نموه الاقتصادي .
إن نظرة الإنسان للحياة من خلال معرفته بربه ، تعرفه بأن عطاءه وإنفاقه في سبيل الله لا ينقصه شيئاً ، بل يزيده مالًا وسعادة ، ذلك أنه سيكتشف عبر هذه المعرفة بأن الله لا يحتاج إلى ماله ولا نشاطه ، وإنما ينفق ذلك لنفسه ، ولتدوير الثروة ، وتوزيعها العادل ، ولتطهير قلبه من درن البخل ، والمجتمع من آفة الطبقية .
أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً شيئاً ينفقونه وكأنه يخرج من أموالهم ، وهو يقابل ( الدخل ) .
فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ كيف يطلب النبي المشمول ببركة الله ، وفيض عطائه من البشر الضعيف الفقير شيئاً ، بل ماذا تعني ثروة الدنيا عند نبي تضاءلت الشمس والقمر أمامه .
وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ فالله الرزاق ، الذي لا حد لعطائه ، ولا ذلة ، وهو الغني الحميد .
[ 73 ] وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ إنك أيها الرسول تدعوهم إلى انتهاج برامج صائبة لحياتهم . تتمثل في الصراط المستقيم الذي يصل بهم لو اتبعوه إلى أهدافهم ، ومشكلة الإنسان في كثير من الأحيان أنه يعرف هدفه ، ولكنه يفتقر إلى الطريق والوسيلة الصائبة في
هامش
( 1 ) الكافي : ج 1 ص 138 .