بينات من الآيات :
[ 23 ] في آيات آنفة رأينا نعم الله على البشر ، ولكن لماذا نجد الإنسان بالرغم من تجلي الله له في كل شيء ، يكفر به ، ويجعل بينه وبين معرفته حجباً زائفة ، معرضاً عن آياته تعالى .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ إن خضوع الإنسان لقوى أخرى هو الذي يبعده عن معرفة الله ، والطاعة له ، والآية تبيِّن مشكلة قوم نوح أنهم كانوا يخضعون لقوى أخرى ، وتتعرض الآية التالية إلى اثنتين منها :
[ 24 ] الأولى : تقديس الذات الذي يقودهم إلى التكبر على الحق .
فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً فهم يرون من الرسالة فقط تبوأ النبي قيادة المجتمع المؤمن ، فالتفسير الذي يفترضونه هو صراع على الزعامة .
ولو كان الإنسان يجعل الحق هو المقياس لا ذاته ، لما همه لمن يخضع ما دام يمثل الحق رسالة وسلوكاً .
الثانية : تقليد الآباء . مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ
[ 25 ] وهذان السببان هما اللذان حملاهم على اتهام نبي الله نوح عليه السلام بالجنون .
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ إن المعرفة قريبة من الإنسان ، وميسرة له ، ولكنه قد يبتلي بالكبر أو التقليد الأعمى ، فيكون أبعد ما يكون عن الإيمان والمعرفة ، وحتى نخلق الإيمان في نفوسنا يلزم أن ننبذ الكبر ، وأن نغير طائفة من عاداتنا وتقاليدنا السلبية التي درج عليها الأولون ، بل وحتى بعض العادات الجيدة قد لا يكون الأنسب توارثها تباعاً لاختلاف الظروف بل الأنسب تطويرها أو تقديم غيرها عليها .
وبقي شيء لابد من ذكره من خلال قصة نوح وقومه هو : أنهم حينما أرادوا إنكار القيادة الإلهية العادلة أنكروا الله من الأصل ، ولكي يكتمل الإيمان لابد من الالتزام بقيادة إلهية ، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله :
[ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ]
« 1 » .
وصدق الإمام علي عليه السلام إذ قال :
[ هَلَكَ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَكِيمٌ يُرْشِدُهُ . . . ]
« 2 » .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 13 ص 246 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 75 ص 159 .