إما إلى نبينا محمد صلى الله عليه وآله وأما إلى من في جملة مَنْ كَانَ يَظُنُّ .
ففي الحال الأولى يكون المعنى : أنه من كان يحقد على محمد صلى الله عليه وآله ، وما جاء به من رسالة الله ويشك في نبوته ، ولا يعتقد بأن الله ناصره في الدنيا والآخرة ، فليبذل كل ما في وسعه ، وليجرب كل حيلة إلى ذلك ، حتى لو استدعى ذلك أن يمد حبلًا من أعلى ويشنق نفسه ، ثم لينظر : هل استطاع أن يتحدى إرادة الله بمنع رسوله أو بمنع رسالته فيشفي بذلك حقده وظنه ؟ .
أما في الحالة الثانية فإنَّ الآية تعني أن الله سبحانه ينصر الإنسان ، ويحفظه ويعينه في الدنيا والآخرة . ومن كان يظن غير ذلك ، فليذهب أن - ى يشاء ، وليفعل ما يريد ، حتى ولو شاء خنق نفسه ( بمد حبل إلى السماء ثم قطعه ) فإنه لن يقدر على تحدي سلطان الله ، ولن ينفعه عمله وحقده على الله .
ولعلَّ الآية تتضمن تحدياً إعجازياً للبشر ، فإذا كانوا يشكون في قدرة الله إذن فليخرجوا من ملكوت الله ، ومن سننه وقوانينه الثابتة التي أخضع لها كل شيء ، والتي يكرهون على الخضوع لها ، ومن ثم لينظروا - بعد أن يستخدموا ك - ل إمكاناتهم وعلومهم - هل استطاعوا أن يخرجوا من ملكوت الله ، أو هل تحرروا من قوانين الحياة المادية والمعنوية ، فيشفوا بذلك غيظهم النابع من جهلهم الموجه ضد إرادة الله وسننه التي وضعت لمصلحتهم ، والتي كان ينبغي عليهم أن يعملوا بموجبها ويشكروا الله عليها لأنها أهم مظاهر رحمة الله بعباده . فيكون معنى الآية : مدوا بحبل إلى السماء ، فهل تقدرون على ذلك ؟ والله العالم .
عندما صعد أول إنسان إلى القمر . . هل استطاع أن يخرج من إرادة الله ؟ ! كلا . . إنه لا يستطيع ذلك حتى إنه لم ينس مشاكله العائلية مع زوجته ، فقد صرح بعد نزوله إلى الأرض : كنت أفكر وأنا على سطح القمر في خلافاتي مع زوجتي . . وهل هي راضية عن عملي هذا الذي أقوم به أم لا ؟ .
هكذا يبقى الإنسان محكوماً بالأنظمة والقوى الطبيعية حوله ، مادية كانت أم معنوية ، شاء ذلك أم أبى ، ولا يمكنه والحالة هذه إلا أن يمتثل لأمر مولاه . وإن تكبر واستنكف فلا يضر إلا نفسه .
وأخيراً لو تفكَّر الإنسان : من الذي يرزقه ويسبغ عليه النعم ، ومن الذي يدفع عنه آلاف الأخطار التي تحمل في طياتها الموت والدمار ، لوجد أنه هو الله الرزاق ذو القوة المتين ، وما عداه ليس إلا أسباباً مخلوقة .
من هدى القرآن — صفحة 368
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٦٨