[ 17 ] لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ إن كانت الخليقة بلا هدف ، فإنَّ الله كان ينتزع منها الهدفية ، ويتخذها لهواً ، أي يجعلها بلا غايات مرسومة ، ولا سنن دائمة ، ولا قوانين دقيقة تفرض على أصغر جزيئة في الذرة بنفس الصرامة التي تفرض على أعظم مجرة في القضاء .
وحيث نرى كل شيء يسعى نحو هدفه ، أو بتعبير أفضل يسير إلى غايته ، فهل من المعقول أن يكون خلق الإنسان عبثاً ، وبلا هدف أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [ المؤمنون : 115 ] ؟ .
كلا . . أنت بدورك تخضع لقانون الهدف ، وبالتالي لمعادلة المسؤولية والجزاء . وفي معنى الآية أقوال شتى إلا أن هذا المعنى العام يمكن أن يستوحي من كل تلك الأقوال .
[ 18 ] بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ وهذه هي سنة الله الثابتة في الكون على مر العصور والدهور ، وعلى الإنسان أن يبني حياته على أساس ، إذا أراد أن يفوز ويحقق أهدافه ويتجنب مصارع الردى وينجو من العذاب المحتوم .
وكلمات الآية صاعقة شديدة الوقع نافذة إلى عمق الضمير ، فالحق يقذف ( يرمي بقوة وربما من مكان بعيد وقد يتأخر قليلًا ليقطع المسافة ولكنه يصل حتماً ) ، ثم إنه يهدف أم الرأس حيث الدماغ ، ويتلاشى الباطل ويضمحل فلا يبقى منه شيء أبداً .
والآية تبصِّرنا بواقع الخليقة والأنظمة السائدة عليها ، وتوحي إلينا بضرورة تزكية أنفسنا من خلال معرفة تلك الأنظمة ، فقانون الجاذبية الذي يسقط به الحجر من علِ ، ليس بأقوى من قانون سقوط الظالم من كرسي الحكم ! .
[ 19 ] وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ هذا الحق يجب أن يتجسد في واقع السلوك البشري ، كما تجسد في واقع سلوك الملائكة وسلوك عباد الله الصالحين ، الذين لا يستكبرون عن عبادته ويفعلون ما يؤمرون .
[ 20 ] يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ الحياة يجب أن تكون جدية ، ويجب أن يسبح الإنسان ربه دونما تعب أو استكبار .
من هدى القرآن — صفحة 281
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٨١