والتعبير القرآني من الدقة بمكان ؛ إذ يقول تعالى خَالِدِينَ فِيهِ والضمير يعود إلى الوزر ، إذ ذنوبه هنا هي أداة تعذيبه هناك ، حيث يخلد فيها مهاناً ، أعوذ بالله .
[ 102 ] يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ولا مناص يومها لأحد إلا أن يخرج من قبره شاء أم أبى ، فكما يولد الإنسان ويموت من دون إرادته ، كذلك يبعث من دون إرادته .
وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً أي زرق عيونهم من شدة الخوف ، ولعلَّ أهوال القيامة تسبب في زرقة أجسادهم أيضاً .
[ 103 ] يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ يتحدَّثون لبعضهم همساً ، فيقول بعضهم لبعض : إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً إذ يتضح لهم تفاهة وقصر العيش في الدنيا ، التي طالما اعتبروها آخر المطاف ، وتوهموا أنفسهم باقين فيها ، وذلك حين يقيسونها بالآخرة دار الخلد ، إن ملايين السنين لا قيمة لها ، أمام الخلد ، فكيف والإنسان لا يعيش في الدنيا إلا بضع عشرات من السنين فقط ؟ ! .
[ 104 ] نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً إن علم الله سبحانه وتعالى يحيط بكل شيء وكل زمان ، فهو غير خاضع لقانون الزمن ، كما نحن البشر ، فالماضي والحاضر والمستقبل في علمه سواء ، فهو يعلم الآن ما سيقوله المجرمون يوم القيامة الذي ربما يأتي بعد ملايين السنين .
ولفظة أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً ، ترفع شبهة قد تتولد في الذهن ، بأن المتكلم الأول كان فاقداً للعقل عندما قدَّر عمره في الدنيا بعشرة أيام ، فهذا أَمْثَلُهُمْ أعقلهم وأفهمهم يقدر الفترة بيوم واحد لا بعشرة أيام .
إن على الإنسان أن يعلم بأن حياته قصيرة جداً ، وأن أمامه حياة أخرى لا حصر لأمدها ، وأن سعادته أو شقاءه فيها مرهون بعمله في الدنيا ، فيسعى جاهداً من أجل أن يكون سعيداً فيها .
من مشاهد القيامة
[ 105 ] وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ الضخمة الراسية فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً .
[ 106 ] فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً أرض خالية من كل أثر من آثار زينة الدنيا وزخارفها .
[ 107 ] لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً أي تصير الأرض مستوية ، فلا حفرة فيها ولا نتوء ، وتزول منها كل المعالم الجغرافية ، تصور لو كنت واقفاً على مقربة من جبال الهملايا فإذا
من هدى القرآن — صفحة 245
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٤٥