ثالثاً : الرجعية ( والحنين إلى سيرة القرون الأولى ) .
وتعالج آيات هذا الدرس هذه العقبات :
أول كلمة قالها الله لموسى وهارون عليه السلام حينما أمرهما بدعوة فرعون إلى الهدى هي : إِنَّهُ طَغَى ، وطغيان فرعون جاء من إحساسه بالاستغناء ، فكلما أحس الإنسان بعدم الحاجة ، وزعم أن حاجاته تتحقق يطغى ، فأمر الله سبحانه وتعالى موسى وهارون عليهما السلام بمعالجة الطغيان عن طريق التذكرة والتوجيه ، وبيان حاجة فرعون الحقيقية ، بالرغم من زعمه بعدم الحاجة ، ثم عالج السياق العقبة الثانية ، الاستهزاء ببيان أن الجزاء لواقع ، وأن الإنسان لمسؤول عن مواقفه ، لأن الإنسان لا يبالي ما دام لا يعلم أن عليه جزاء ، أما إذا عرف أنه سوف يجزى بمواقفه ، فسوف يعود إلى رشده .
أما العقبة الثالثة وهي الحنين إلى الماضي ، والخوف من تطويره ، فقد عالجها القرآن الحكيم ببيان إن كل الحياة ماضيها وحاضرها ومستقبلها محكومة بإرادة الله ، وأن تدبير الله وتقديره وقضاءه يحيط بالحياة إحاطة كاملة ، وأن القرون الماضية لا يجب أن تقدس تقديساً مطلقاً ، بل إن علمها عند الله ، فإذا كانت تلك القرون في طريق الحق فهي لأجل الحق مقدسة ، أما إذا كانت في طريق الباطل فعليها لعنة الله لأنها لم تتبع الحق .
هذا ولقد جاءت رسالات الله لتعالج أيضاً كل عقبة أو شذوذ في حياة البشر ، إن فرعون كان قد استعبد بني إسرائيل كعنصر مخالف لعنصره ، فعالج القرآن هنا هذه العقبة أيضاً ببيان أن بني إسرائيل يجب أن يتحرروا ، وبالرغم من أن هذه العقبات ذات أبعاد مختلفة ، بعد اجتماعي ، وبعد سياسي ، وبعد ثقافي و . . و . . إلخ ، لكن الآيات الكريمة في سورة طه - كما يبدو - تركز الضوء على البعدين النفسي والثقافي أكثر من أي بعد آخر .
بينات من الآيات :
كيف يعالج القرآن الطغيان ؟
[ 43 ] اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى الإنسان الذي يطغى إنما يطغى لإحساسه بعدم الحاجة ، وإن الآخرين محتاجون إليه ، فإذا أحس الإنسان بحاجته انحسر عنه الطغيان .
والطغيان يأتي بسبب إحساس الإنسان بأن أهدافه في الحياة قد تحققت ، وأن طموحه قد
من هدى القرآن — صفحة 211
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢١١