تقول : إني لا أعبده ، بل أطيعه . كلا . إنك تعبده حين تسمع له ، وتطيع أمره ، وما جوهر العبادة إلا الطاعة . جاء في حديث شريف في تفسير هذه الآية .
عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام فِي قَوْلِهِ : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً ( 81 ) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً
يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْ يَكُونُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ آلِهَةً مِنْ دُونِ الله عَلَيْهِمْ ضِدّاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَيَتَبَرَّءُونَ مِنْهُمْ وَمِنْ عِبَادَتِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
. ثُمَّ قَالَ عليه السلام :
لَيْسَ الْعِبَادَةُ هِيَ السُّجُودَ وَلَا الرُّكُوعَ إِنَّمَا هِيَ طَاعَةُ الرِّجَالِ مَنْ أَطَاعَ الْمَخْلُوقَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ فَقَدْ عَبَدَهُ
. وقوله عز وجلَّ : أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً قال :
لما طغوا فيها ، وفي فتنتها ، وفي طاعتهم ، ومد لهم في طغيانهم وضلالتهم ، أرسل عليهم شياطين الإنس والجن
تَؤُزُّهُمْ أَزّاً
أتنخسهم نخساً ، وتحضهم على طاعتهم وعبادتهم ، فقال الله عز وجل :
عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً
أي في طغيانهم وفتنتهم وكفرهم ]
« 1 » .
جزاء الكافرين
[ 83 ] أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً إن الشياطين يدفعون الكافرين دفعاً إلى العذاب ، إلى حيث النقمة والشقاء . هكذا يفعل الشياطين بالكافرين ، ولكن الله ليس بظلام للعبيد ، فهو لا يبعث الشياطين على المؤمن المخلص الذي انتهج منذ البدء طريق الهدى ، والشيطان لا يقدر عليه مهما حاول جهده ، أما ذلك الانسان الذي كفر بالله ابتداء ، وترك الاعتصام بحبله ، وظل بدون محور صحيح يدور عليه ، ولا قاعدة ثابتة يعتمد عليها ، فإنَّ الله يرسل عليه شيطاناً يدفعه إلى النار في الآخرة ، والعذاب في الدنيا ، والآية هذه شاهدة على الآية السابقة ، إذ أن الشياطين وهم الحكام الظلمة ، والأحزاب الكافرة ، وإبليس وجنوده ، لا يزالون ينخسون مريديهم وتابعيهم ، ويحرضونهم على طاعتهم حتى يوردونهم نار جهنم .
[ 84 ] فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ لذلك لا تعجل على هؤلاء الذين يمشون في هذا الطريق ، وينتمون إلى الفئات المشبوهة الباطلة ، في سبيل تثبيت أركان الظالمين : فإنَّ الشيطان سوف يدفعهم إلى مصيرهم المحتوم . جاء في حديث عن قوله : أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً قال : نزلت في مانعي الخمس والزكاة والمعروف يبعث الله عليهم سلطاناً أو شيطاناً فينفق ما يجب عليه من الزكاة والخمس في غير طاعة الله ويعذبه الله على ذلك ] « 2 » .
إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً إن كل خطوة يخطونها ، وكل سعي يسعونه ، يتحول إلى عذاب
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 69 ص 94 ، تفسير القمي : ج 2 ص 55 .
( 2 ) تفسير القمي : ج 2 ص 53 .