أبدا مثل ذلك الذي يلتهم الفاكهة دون أن يعرف قيمتها الحقيقية ، إن المزارع يتفاعل مع الثمار ويتكامل بها لأنه ينتجها ، بينما الذي يأكل الفاكهة يستهلك بقدر ما يستهلك .
ومن قال أن الهدم أفضل وسيلة للدفاع ، وخير أداة في الصراع ؟ .
إنك حين تقتل جنديا عدوا تزداد قوتك بقدر جندي واحد ، أما حين تضيف جنديا إلى جنودك من أعدائك فان باستطاعة هذا الجندي أن يستقطب إليك جنودا كثيرين .
وحين تهدم مصنعا للعدو تزعم بأن قدرتك الاقتصادية ازدادت بقدر مصنع واحد ، ولكن هل هو واقع أم خيال ؟ بينما لو أضفت مصنعا إلى مصانعك فان هذا المصنع يكمل حلقات مصانعك ويرفع النقص الموجود فيها ، وبالتالي يعطيك قدرة على تطوير مصانعك .
وفرق بين أن تحرق مزرعة للعدو أو تنشئ مزرعة لنفسك ، إن المزرعة التي تنشئها لا تضيف قوة اقتصادية إلى اقتصاد بلدك فحسب ، بل وتزيدك قوة إنتاجية ، بمعنى أن الحبوب المنتجة من المزرعة تصلح أن تزرع في أرض أخرى ، وأن اليد العاملة في المزرعة تقدر على أن تزرع أخرى ، والنظام المشجع على إنشاء مزرعة ينشئ مزارع عديدة وهكذا . .
وهكذا يصبح البناء أفضل وسيلة لهدم كيان العدو ، والإصلاح أفضل وسيلة لتصفية دعاة الفساد ودعائمه ، وصدق الله العلي العظيم حين يقول : ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ .
مراحل الانحطاط
يتدرج المجتمع في الانحطاط عبر عدة مراحل ، ففي البداية تفسد السلطة السياسية ، ثم تفسد طريقة التعامل ، ثم أساليب الإنتاج ، ثم فساد القيم وهو أخطر مراحل الفساد ، لذلك نجد شعيبا عليه السلام بدأ حديثه الناصح بالتحذير من الفساد السياسي والاقتصادي ، ومن ثم الفساد الثقافي والقيمي .
فحذر من النهي عن المعروف والصد عن سبيله ، ومحاولة تضليل الناس عن سبيله الأقوم في الحياة ، ومحاولة توجيههم إلى السبل المنحرفة ، وأمرهم بتذكر الماضي حيث أنهم كانوا أقلاء فكثرهم الله بالسبل القويمة ، كما نصحهم بالاعتبار بما أصاب المفسدين السابقين ، وأمر شعيب عليه السلام المؤمنين من قومه بالصبر حتى يحكم الله ، وتبين العاقبة .
[ 86 ] قد يفسد البشر عمليًّا ، بينما يبقى من الناحية النظرية مؤمناً بالقيم ومعترفاً بخطئه