وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ .
[ 3 ] لقد أنزل الله الكتاب لكي لا يتبع الإنسان سوى القيم السماوية ، والذين يجسدون تلك القيم ، ولا يخضعون لهذا أو ذاك بأي أسماء مخترعة . . اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ أي لا تتركوا اتباع القرآن باتباع الأولياء الغرباء . .
قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ إذ البشر قلما يستطيع التحرر من جاذبية الأشياء والأشخاص ، والتحليق في سماء القيم ، وإذا تمت هذه الحرية فإنما تتم عن طريق التذكر بالله وباليوم الآخر .
[ 4 ] وحين يتبع الإنسان أولياء من دون الله فإنه هالك ، ويأتيه عذاب الله على غفلة منه دون أن يستطيع له ردا .
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ أي ليلا أو في منتصف النهار حين يستريحون إلى نوم القيلولة ، أو بتعبير آخر ليلا أو نهارا .
[ 5 ] ولم تكن حجتهم إذ ذاك إلا الاعتراف بظلمهم فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ لقد كان ظلمهم بوعي ، وبعد إتمام الحجة عليهم ، لذلك اعترفوا به حين الهلاك ولم يدعوا - حتى مجرد الادعاء - بغير ذلك .
[ 6 ] ولم تنته العقوبة بالنسبة لهؤلاء بالهلاك الدنيوي ، إذ جاء بعدئذ دور الحساب الأخروي فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ أي نسأل المبلغين للرسالة كيف بلغوا وبماذا أجيبوا ؟ ونسأل الناس لماذا لم يجيبوا بعد إتمام الحجة عليهم ؟ .
[ 7 ] ولكن هذا السؤال ليس عن جهل أو عن غيبة ، بل لمجرد المحاسبة ، ولكي يعترف الظالمون بجريمتهم ، فإن الله سوف ينبؤهم عن كافة تفاصيل حياتهم بعلم ، لأن الله لم يكن غائبا حين اكتسابهم للأعمال . . فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ .
[ 8 ] وبعد المحاسبة يأتي دور الجزاء العادل ، لأن ما يوزن به الأعمال حق ودقيق وليس فيه أدنى نقص .
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ لأنهم أصابوا الفلاح المادي والمعنوي بالجنة والرضوان ، وقد انتهت صعوبات الحياة ومخاوفها بحياة رغيدة آمنة .
[ 9 ] ولكن الخسارة كل الخسارة هي أن يكتشف الفرد خفة موازينه ، إذ لا يملك البشر سوى فرصة واحدة للعمل هي أيام عمله المعدودة في الدنيا ، فإذا خسرها فماذا يبقى له هناك ؟ .
من هدى القرآن — صفحة 15
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٥