وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً إن الله يتوب على عباده ، وينشر رحمته عليهم ان هم تابوا اليه ، أطاعوا ممثله في الأرض وهو الرسول ، وطاعة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) تشفع للبشر في ذنوبهم الصغيرة إذ أن في ذلك طاعة لله في أعظم ما أمر به ، وإن الحسنات الكبيرة تشفع في السيئات الصغيرة ، كما أن السيئات الكبيرة ( كالشرك بالله وطاعة الطاغوت ) تحبط الحسنات الصغيرة .
مفهوم الشفاعة في القرآن
ان فكرة الشفاعة الصحيحة هي ، ان الرسول يستغفر لمن يطيعه ، ويتوب اليه بإخلاص ، ولا يعني استغفار الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لأحد أن الله يغفر له حتماً ، كما جاء في نص القرآن : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [ التوبة : 80 ] .
وقد رد الله شفاعة نوح في ابنه واستغفار إبراهيم في أبيه . وهذا هو الفارق بين فكرة الشفاعة الإسلامية ونظيراتها في الديانات الوثنية والمسيحية واليهودية المنحرفة ، ان الشفاعة الإسلامية لا تعرف الحتمية ، وما هي سوى دعاء الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ربه أن ينزل رحمته ، وبالرغم من أن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) مستجاب الدعاء ، فإن ذلك لا يحتم على الله سبحانه أن يستجيب للرسول ، بل قد يرفضه رفضاً لأنه هو الله الحكيم العليم .
أما فكرة الشفاعة أو الفداء عند الوثنية واليهودية والمسيحية ، فهي آتية من فكرة خاطئة أخرى هي : الزعم بتعدد الآلهة ، ووجود شركاء لله تغالبون ويتنافسون في شؤون العباد ، وبتعبير آخر : الاعتقاد بفكرة وجود مراكز قوى في سلطان الكون ، وأن كل مركز يستطيع أن يعمل باتجاه معين ، ويجبر ذي العرش ( وهو الله سبحانه ) على فعل شيء .
هذه الفكرة مرفوضة في القرآن ، لأنها مخالفة لرؤية التوحيد وبصيرة الأحدية . وأهمية الشفاعة الاجتماعية ، أنها تعطي المجتمع الإسلامي مزيداً من التلاحم والصلابة ، إّذ أن الرسول يصبح محوراً يستقطب حوله جميع الطاقات ، ليس فقط بدوافع مادية ، بل أيضا بدافع إيماني غيبي . ومثل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في ذلك أوصياؤه الأئمة ( عليهم السلام ) ، ومن بعدهم القادة الرساليون الذين يستمدون قدراتهم الاجتماعية من التفاف الناس حولهم طوعا لا كرها ، كل واحد منهم يأمل أن يشفع له القائد عند الله ، ويستغفر له ربه ، وهذا الالتفاف يخدم قضية الأمة الأساسية ، وبذلك يستطيع القائد أن يطبق سائر الواجبات الدينية .
وتكون النتيجة وجود مرونة في التشريع الإسلامي ، بحيث تتقدم الأهداف الكبرى على
من هدى القرآن — صفحة 75
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٧٥