وأمّا ما قيل : من أنّه لاحقّ للمخلوق على الخالق « 1 » ، فالجواب عنه هو :
أنّ الحقوق وإن كانت كلّها للَّه على العباد ، فله على الناس حقّ العبادة والطاعة ونحو ذلك ، ولكن ليس المراد من سؤال اللَّه تعالى بحقّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو غيره أن يكون له حقٌّ على اللَّه تعالى ذاتاً ، بل المراد من الحقّ : المقام والمنزلة التي منحها سبحانه وتعالى له تكريماً .
إذن ليس لأحد على اللَّه حقٌّ إلّاما جعله اللَّه سبحانه حقّاً على نفسه لهم تفضّلًا وتكريماً « 2 » ، قال سبحانه وتعالى : « وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ » « 3 » .
وهناك عدّة روايات واردة من الخاصّة والعامّة تدلّ على ما تقدّم ، من قبيل :
- ما رواه مسلم عن معاذ ، قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : « يا معاذ تدري ما حقّ اللَّه على العباد ، وما حقّ العباد على اللَّه ؟ قال : قلت : اللَّه ورسوله أعلم . قال : فإنّ حقّ اللَّه على العباد أن يعبدوا اللَّه ولا يشركوا به شيئاً . وحقّ العباد على اللَّه عزّ وجلّ أن لا يعذّب من لا يشرك به شيئاً » « 4 » .
- وروى الترمذي وغيره عن أبي هريرة ، قال : « قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : ثلاثةٌ حقٌّ على اللَّه عونهم : المجاهد في سبيل اللَّه ، والمكاتب الذي يريد الأداء ، والناكح الذي يريد العفاف » « 5 » .
- وروى الطبراني بسنده عن أنس بن مالك :
« أنّه لمّا ماتت فاطمة بنت أسد ، أم عليٍّ - رضي اللَّه عنها - دخل عليها رسول اللَّه ، فجلس عند رأسها ، فقال : " رحمك اللَّه يا أُمّي ، كنت أُمّي بعد أُمّي تجوعين وتشبعينني ، وتعرين وتكسينني ، وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعمينني ، تريدين بذلك وجه اللَّه والدار الآخرة » .
ثمّ أمر بتغسيلها وتجهيزها ، وأمر بتكفينها في قميصه ، ثمّ أمر بحفر قبرها ، ولمّا وصلوا إلى اللّحد حفره بنفسه ثمّ قال : « اللَّه الذي يحيي ويميت وهو حيٌّ لا يموت ، اغفر لأُمّي فاطمة بنت أسد ولقّنها حجّتها ، ووسّع عليها مدخلها بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي ، فإنّك أرحم الراحمين . . . « 6 » » « 7 »
هامش
( 1 ) أُنظر البحر الرائق 8 : 379 .
( 2 ) أُنظر في ظلال التوحيد ( للأُستاذ السبحاني ) : 624 .
( 3 ) الروم : 47 .
( 4 ) صحيح مسلم 1 : 58 ، كتاب الإيمان ، الحديث 30 .
( 5 ) صحيح الترمذي 3 : 103 ، الحديث 1706 ، وقال : « حديث حسن صحيح » ، ورواه ابن حبان في صحيحه 9 : 339 مع تفاوت في العبارة ، والحاكم في مستدركه 2 : 160 ، وقال : « صحيح على شرط مسلم » .
( 6 ) معجم الطبراني ( الأوسط ) 1 : 67 .
( 7 ) أُنظر : حلية الأولياء 3 : 121 ، ترجمة عاصم بن سليمان الأحول ، والمستدرك على الصحيحين 3 : 108 ، والاستيعاب بهامش الإصابة 4 : 382 ، وسير أعلام النبلاء 2 : 118 ، برقم 7 ، ومعجم الزوائد 9 : 256 - 257 ، وكنز العمّال 13 : 636 ، برقم 37608 .