وهو القدرة ، إذ القدرة المعتبرة في صحّة التكليف عقلا ، هي القدرة في ظرف الواجب ، وهي مفقودة بالنسبة إلى المتأخّر بعد الإتيان بالمتقدّم .
وهذا بخلاف ما لو قدّم صيام يوم الجمعة ، أو صلاة العصر من قيام ، فإنّه لم يكن معذورا في ترك صيام يوم الخميس أو صلاة الظهر من قيام « 1 » .
نعم ، إذا كان الواجب المتأخّر زمانا أهمّ من الواجب المتقدّم ، وجب حفظ القدرة لإتيان الأهم ، فلا يجوز الإتيان بالمهم ، لأنّه يوجب عجزه عن الإتيان بالأهم في ظرفه ، كما إذا دار الأمر بين حفظ ماله اليوم ، وحفظ نفسه غدا ، فالعقل يستقلّ بوجوب حفظ القدرة لحفظ النفس في غد « 2 » .
هذا وللسيّد الحكيم تفصيل في المسألة ، وحاصله : أنّ القدرة الملحوظة في الحكم إن كانت قدرة شرعيّة ، وجب تقديم الأسبق زمانا ؛ للعلّة المتقدّمة ، وهي : أنّ صرف القدرة في المتقدّم يوجب عدم القدرة على المتأخّر ، فيكون معذورا بتركه ؛ لعدم القدرة عليه ، بخلاف ما لو لم يصرف القدرة في الأوّل وصرفها في الثاني ، فلا يكون معذورا بترك الأوّل ؛ لإمكان صرف القدرة فيه .
وأمّا إذا كانت القدرة عقليّة ، فلا يحكم العقل بتقديم الأسبق ، بل يحكم بالتخيير في صرف القدرة في أيّهما شاء .
نعم ، لو كان أحدهما أهمّ من الآخر يرى وجوب صرف القدرة فيه ، سواء كان هو الأوّل أو الأخير « 1 » .
التزاحم بين المستحبيّن :
يمكن فرض التزاحم بين المستحبّين أيضا ، وذلك كما في مزاحمة فضيلة الصلاة أوّل الوقت في الظهرين مع فضيلة الإتيان بنافلتهما ، ولكن لمّا كان ملاك النافلة أقوى وأهمّ من ملاك الصلاة أوّل الوقت ، فلذلك تقدّم فضيلة النافلة على فضيلة الصلاة أوّل الوقت « 2 » .
ومن هذا القبيل تزاحم طلب العلم مع الكسب إذا لم يصل إلى حدّ الوجوب ، وإلّا كان من تزاحم المستحب مع الوجوب ، ومعلوم أنّه لا مزاحمة بينهما ، فيقدّم الواجب على المستحب قطعا « 3 » .
تطبيقات التزاحم :
ذكر الفقهاء خاصّة المتأخّرين والمعاصرين تطبيقات كثيرة للتزاحم في كتبهم الفقهيّة ربّما تبلغ
هامش
( 1 ) انظر موسوعة الإمام الخوئي ( مصباح الأصول 3 ) 48 :
435 - 436 .
( 2 ) انظر المصدر المتقدّم : 436 .
1 انظر المستمسك 6 : 131 - 133 .
2 انظر القواعد والفوائد 1 : 324 ، القاعدة 117 ، والتنقيح ( الطهارة ) 1 : 429 .
3 انظر مصباح الفقاهة 5 : 479 .