ولازم ذلك أنّ عامل السوء بجهالة لا يقيم عاكفاً على طريقته ملازماً لها مدى حياته من غير رجاء في عدوله إلى التقوى والعمل الصالح ، كما يدوم عليه المعاند اللجوج ، بل يرجع عن عمله من قريب ، فيكون المراد بالقريب ، العهد القريب أو الزمان القريب وهو قبل ظهور آيات الآخرة وقدوم الموت .
وعلى هذا يكون قوله : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ كناية عن المساهلة المفضية إلى فوت الفرصة .
وإنّما سمّى تعالى هذه المدّة إلى ما قبل الموت قريبة ؛ لوجوه :
إنّ الأجل آت ، وكلّ ما هو آت قريب .
للتنبيه على أنّ مدّة عمر الإنسان وإن طالت فهي قليلة قريبة ، فإنّها محفوفة بطرفى الأزل والأبد ، فإذا قسمت عمرك إلى ما على طرفيها صار كالعدم .
إنّ الإنسان يتوقّع في كلّ لحظة نزول الموت به ، وما هذا حاله فإنّه يوصف بالقرب .
يتبيّن ممّا مرّ أنّ الشرطين جميعاً - أعنى قوله : « بجهالة » وقوله : « من قريب » - احترازيان ، يراد بالأوّل منهما أن لا يعمل السوء عن عناد واستعلاء على الله ، وبالثاني منهما أن لا يؤخّر الإنسان التوبة إلى حضور موته كسلًا وتوانياً ومماطلة ؛ إذ التوبة هي رجوع العبد إلى الله سبحانه بالعبودية ، فيكون توبته تعالى أيضاً قبول هذا الرجوع ، ولا
في ظلال العقيده والاخلاق — صفحة 285
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٨٥