نفس طالبة ، وطبق على شوارع النوائب « 1 » ، وعلم منصوب في مدرجة المطالب « 2 » ، تطمع فيه الإخوان ويأخذ منه السلطان وينتظر فيه الحدثان « 3 » ويحيف ملكه النقصان « 4 » » .
وكان أبو بكر الخوارزمي شيعيا غاليا . ولو وازنا بين رسائل الخوارزمي ورسائل الصابى ، لوجدنا رسائل الصابى أكثر اتزانا وأقل مبالغة وأقرب إلى الواقع . وكان أهم ما امتازت به رسائل الخوارزمي المحسنات البديعية والسلاسة . . . وبين هذا الأسلوب وبين الأسلوب العربي القديم كثير من وجوه الشبه ، من شغف بالألفاظ الجزلة ذات الجرس « 5 » والتشبيهات الحسنة وقلق نفس الكاتب . غير أن ما كانت تنطوى عليه الفروسية قديما من نبل العاطفة قد تغير وصار موضع سخرية ، وهذه هي الصورة الوحيدة التي أتيحت له في مجتمعات المدن ، أما الصفات الرئيسية التي اتصف بها أسلوب الخوارزمي ، فهي أيضا صفات الأسلوب الساخر . وهي المبالغة والتكرار ، وهو يعمد إليهما باعتبارهما طريقة فنية في الكتابة » « 6 » .
( 5 ) بديع الزمان الهمذاني :
وكان زعيم هذا النوع من الكتابة أحمد بن الحسين الهمذاني المعروف ببديع الزمان المتوفى سنة 398 « 7 » . - وكان كما وصفه الثعالبي « 8 » - « معجزة همذان ونادرة الفلك .
وبكر عطارد « 9 » ، وفرد الدهر وغرة العصر ، ومن لم يلق نظيره في ذكاء القريحة وسرعة الخاطر وشرف النفس وصفاء الذهن وقوة النفس ، ومن لم يدرك قرينه في ظرف النثر وملحه وغرره ودرر النظم ونكته . ولم يرو أن أحدا بلغ مبلغه من لب الأدب وسره وجاء بمثل إعجازه وسحره ، فإنه كان صاحب عجائب وبدائع وغرائب : فمنها أنه كان
هامش
( 1 ) يشبه الغنى بالطبق على الإناء لأنه يغطى بماله النوائب التي تنتاب الناس .
( 2 ) بمعنى أنه كالراية المنصوبة الظاهرة يقصد إليها كل طالب ، والمراد أن الغنى يكون ظاهرا في قومه . فإذا نزلت بهم المغارم والمطالب قصده الطالبون أولا .
( 3 ) أي يرتقب نزول الحوادث به .
( 4 ) أي يأتي على مملوكه النقص بالحوادث والعلل . الثعالبي : يتيمة الدهر ج 4 ص 190 - 191 .
( 5 ) الجرس الموسيقى والعذوبة .
( 6 ) متز : الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 1 ص 404 .
( 7 ) ابن خلكان ج 1 ص 39 .
( 8 ) يتيمة الدهر ج 4 ص 240 .
( 9 ) قال الأزهري : « عطارد كوكب الكتاب » ومعناها أن الذين يولدون في طلوع عطارد يكونو ، ذوى حظ في الأدب والكتلبة والشعر .