يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقل به قال : بل أنتم فقولوا أسمع . . قالوا : نقول كاهن ، قال : واللّه ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه « 1 » . قالوا : فنقول مجنون ، قال : ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه . فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته « 2 » . قالوا فنقول شاعر ، قال :
ما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه « 3 » ، فما هو بالشعر ، قالوا : فنقول ساحر : قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم « 4 » قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟
قال : واللّه إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق ، وإن فرعه لجناه « 5 » ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل . وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا هو ساحر جاء بقول ، هو سحر يفرق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته . فتفرقوا عنه وجعلوا يجلسون بسبل « 6 » الناس حين قدموا الموسم لا يمر أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره « 7 »
وقد روى البيضاوي أن المغيرة مر بالرسول وهو يقرأ سورة السجدة ، فأتى قومه وقال : لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الانس والجن . إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفه لمغدق ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، فقالت قريش : صبأ الوليد ، فقال ابن أخيه أبو جهل : أبا أكفيكموه . فقعد إلته حزينا وكلمه بما أحماه فقام فناداهم فقال : تزعمون أن محمدا مجنون ، فهل رأيتموه يخنق ، وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن ؟
هامش
( 1 ) زمزمة الكاهن كلام خفى لا يفهم وسجعه أن يجعل لكلامه المنثور نهابات كنهايات الشعر .
( 2 ) الخنق : الاختناق الذي يصيب المجنون ، والتخالج : اختلاج الأعضاء وتحركها من غير إرادة ، والوسوسة : ما يلقيه الشيطان في نفس الإنسان .
( 3 ) هذه كلها أنواع من الشعر .
( 4 ) هذا إشارة إلى ما كان يفعل الساحر إذا كان يأخذ خبطا فيقعده ثم ينفث عليه ومن ذلك قوله تعالى( وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ )أراد الساحرات .
( 5 ) العذق : الكثير الشعب والأتراف ؟ ؟ ؟ قوله لجناه : أي فيه ثمر يجنى .
( 6 ) السبل : طرق الناس واحده السبيل .
( 7 ) ابن هشام ج 1 ص 283 ؟ ؟ ؟ 28 .