وتجب الجزية على الرجال الأحرار العقلاء الأصحاء القادرين على الدفع ، ولا تؤخذ من مسكين يتصدق عليه ، ولا ممن لا قدرة له على العمل ، ولا من الأعمى أو المقعد أو المجنون وغيرهم من ذوى العاهات ، ولا من أحد من المترهبين في الأديرة وأهل الصوامع إلا إن كان غنيا .
ويلاحظ أن الشرع لم يفرض الجزية إلا على الأشخاص الذين لم يجب عليهم الجهاد لو كانوا مسلمين ، وأنه أعفى منها الأشخاص الذين يعفيهم من القتال .
وفي ذلك يقول الماوردي « 1 » : « واسمها مشتق من الجزاء ، فيجب على أولي الأمر أن يضعوا الجزية على رقاب من دخل الذمة من أهل الكتاب ليقروا ( يستقروا ) بها في دار الإسلام ويلتزم لهم ببذلها بحقين : أحدهما الكف عنهم . والثاني الحماية لهم ، ليكونوا بالكف آمنين وبالحماية محروسين » .
أما مقدار الجزية فقد قسمها أبو حنيفة ثلاثة أقسام :
1 - أغنياء يؤخذ منهم ثمانية وأربعون درهما .
2 - ومتوسطون يؤخذ منهم أربعة وعشرون درهما .
3 - وفقراء يكسبون ويؤخذ منهم اثنا عشر درهما .
أما جباية الجزية فقد أوصى صاحب الشرع وقادة الإسلام بالرفق والإنصاف في جبايتها من أهل الكتاب وصيانة أرواحهم وأموالهم من عبث الجباة والولاة .
وتقضى القاعدة الفقهية أو دستور الإسلام فيما يتعلق بطريقة أخذ الجزية من دافعيها بأنه « لا يضرب أحد من أهل الذمة في استيدائهم الجزية ( أي لحملهم على أدائها ) ، ولا يقاموا في الشمس ولا غيرها ، ولا يجعل عليهم في أبدانهم شئ من المكاره ، ولكن يرفق بهم ويحبسون حتى يؤدوا ما عليهم » .
والأخبار الواردة في معاملة المسلمين أهل الكتاب في صدر الإسلام كثيرة تشهد بروح العدل والرفق والشعور النبيل نحوهم . روى أبو يوسف عن أبي ظبيان قال : « كنا مع سلمان الفارسي في غزاة ، فمر رجل وقد جنى فاكهة ، فجعل يقسمها بين أصحابه : فمر بسلمان فسبه ، فرد على سلمان وهو لا يعرفه . فقيل له : هذا سلمان ، فرجع فجعل يعتذر إليه ثم قال له الرجل : ما يحل لنا من أهل
هامش
( 1 ) الأحكام السلطانية ص 137 .