جديد الميل إلى الحرب والكفاح . فرفع الشيعة والخوارج رموسهم ، وظلت الحاميات السورية وحدها على ولائها للعرش الأموي ، على حين كان المرابطون من الجنود العربية يشايعون أعداء الحكومة ، حتى كادت تلك الفتن تقضى على ذلك التراث الذي خلفه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وتودى بذلك الإصلاح الذي قام به كل من أبى بكر وعمر . وهكذا كان ذلك العصر عصرا محزنا ملأ قلوب التقاة من المسلمين تشاؤما بالمستقبل .
وتصف لنا هذه الأبيات التي نظمها عباس بن الوليد حرج الدولة الأموية وما وصل إليه الخلفاء الأمويون من يأس وقنوط .
إني أعيذكم باللّه من فتن * مثل الجبال تسامى ثم تندفع
إن البّرية قد ملت سياستكم * فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا
لا تلحمنّ « 1 » ذئاب الناس أنفسكم * إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا
لا تبقرن بأيديكم بطونكم * فثم لا حسرة تغنى ولا جزع « 2 »
يقول فان فلوتن « 3 » : هل كان الناس يعتقدون إزاء تلك الحالة السيئة بقرب ظهور المهدى ( المخلص ) ؟ كل ذلك ممكن ، بل من المحتمل جدا أن هذا الأمل كان العزاء الوحيد للتقاة من المسلمين ( أهل السنة ) . ومع ذلك فلا ندهش إذا رأينا نبوءة أخرى تشغل الأذهان في ذلك الحين . لذلك كان من الضروري ظهور رجل يهدم كل قديم ويأتي عليه ليعبد السبيل لذلك المهدى المنتظر . وهكذا ظهرت بجانب تلك النبوءات القديمة نبوءة أخرى هي نبوءة الرجل ذي الأعلام السود « 4 » الذي يخرج من المشرق ويزبل عرش بنى أمية « 5 » .
هامش
( 1 ) ( يضم التاء والميم ) لا تطعموا .
( 2 ) الطبري ( طبعة دى غويه ) 2 : 1788 .
( 3 ) السيادة العربية ( ترجمة المؤلف ) ص 123 - 125 .
( 4 ) كان البياض شعار الأمويين إلى ذلك الحين فاتخذ العباسيون السواد شعارا لهم حدادا على الشهداء من آل البيت .
( 5 ) انظر المبرد : كتاب الكامل ص 585 . الطبري ( طبعة دى غويه ) 2 : 1929 وما يليها .