قتيبة عليه في العام الماضي ، ولقى هذا القائد نجاحا ملحوظا في هذه السبيل ، وأعاد إلى طرخون الرهائن ، ورجع إلى أخيه قتيبة ببخارى حيث عادا إلى مرو لقضاء الشتاء فيها « 1 » .
وفي سنة 93 ه فتح قتيبة مدن خوارزم صلحا ، ثم فتح سمرقند بعد قتال شديد ، واستخلف عليها عبد اللّه بن مسلم ثم عاد إلى مرو . وبفتح سمرقند وطد قتيبة مركزه في بلاد ما وراء النهر . ولكن فتح هذه المدينة ليس معناه ، كما يقول « جب » ( ص 47 - 48 ) ، فتح بلاد الصغد ، وإنما كان كل ما قام به العرب أنهم أقاموا حامية عربية في بلد يضمر لهم العداء . وقد رأى قواد سمرقند من العرب من الواجب عليهم أن يمدوا نفوذهم تدريجيا على إقليم الصّغد بإرسال الحملات والغارات إليه . وبذلك كان هناك اختلاف جوهري بين فتح بخارى وفتح سمرقند : فالفتح الأول كان نتيجة سلسلة حملات نضبت فيها موارد البلاد التي ضمت إلى حوزة العرب شيئا فشيئا ، وأصبح جميع السكان رعايا العرب ، وغدوا تحت إشرافهم المستمر . أما فتح سمرقند فإن العرب قد استولوا عليها إثر معركة واحدة حاسمة .
ولكن الصغد لم تذعن جميعا لحكم العرب ، وإنما اعترفت بسيادتهم اعترافا ظاهريا . وقد عانت هذه البلاد كثيرا من المحن من جراء الغارات المستمرة ، حتى إن أحد شعراء ذلك العصر قد أمدنا بصورة حية عن ثروتها التي تبددت وأراضيها التي أصبحت قفرا مجدبة حيث يقول :
كل يوم يحوى قتيبة نهبا * ويزيد الأموال مالا جديدا
باهلىّ قد ألبس التاج حتى * شاب منه مفارق كن سوداء
دوخ الصغد بالكتاب حتى * ترك الصغد بالعراء قعودا
فوليد يبكى لفقد أبيه * وأب موجع يبكى الوليدا « 2 »
قد يتوقع البعض أن الغرض الذي كان يرمى إليه قتيبة بعد فتح سمرقند أن يوطد السيادة العربية في الصغد كما فعل في بخارى من قبل . لكننا نراه يقرر مد حدود الدولة العربية في أواسط آسيا ، ويعبر نهر جيحون ميمما شطر بخارى
هامش
( 1 ) ابن الأثير ج 4 ص 226 - 227 .
( 2 ) المصدر نفسه ج 4 ص 236 .