الكثيرة ، فأقاموا سدا لحفظ المياه وراءه يسمى العرم بلسانهم كما تقدم . وقد تحولت أراضيهم بتنظيم الري في هذه البلاد إلى جنات ، كما فصل القرآن الكريم ذلك في سورة سبأ .
ولما أخذت بلاد اليمن في الانحطاط ، وعجز أهلها عن إصلاح السد الذي أقامه أسلافهم لحفظ المياه ، وانكسر السد ، غرقت بلادهم ، وتفرقوا أيدي سبأ في شتى أنحاء الجزيرة العربية .
فسارت قبيلة ثعلبة بن عمرو نحو الحجاز ، وانتهوا إلى المدينة فغلبوا على من كان بها ، وأكثرهم من اليهود ؛ وسارت قبيلة حارثة بن عمرو - وهم خزاعة - فاقتحموا الحرم وأجلوا عنه سكانه من جرهم الثانية ، وهي قبيلة قحطانية قديمة من اليمن ، وسارت عمران بن عمرو نحو عمان فنزلوها واستوطنوها ، وهم أزد عمان ، وسارت جفنة بن عمرو إلى الشام ونزلوا بماء يقال له غسان ، فنسبوا إليه ، ومنهم ملوك الغساسنة . وسارت لخم بن عدي إلى الحيرة وسكنوها ، ومنهم نصر بن ربيعة أبو الملوك المناذرة ؛ وسارت طيىء بعد مسير الأزد إلى الشمال ، ونزلوا بالجبلين أجأ وسلمى ، لما رأوه هناك من الخصب . وهذان الجبلان في الشمال الشرقي من المدينة ، يخترقهما وادى الدهناء . وقد ورد ذكرهما كثيرا في أشعار العرب الطاثيين لما لهما من المنعة والحصانة ، وبهما كانوا يستهينون بسلطان الملوك من بنى نصر .
قال شاعرهم عارق الطائي :
ومن مبلغ عمرو بن هند رسالة * إذا استحيتها « 1 » العيس تنضى « 2 » من البعد
أبو عدنى والرمل بيني وبينه ؟ * تأمل رويدا ما أمامة من هند
ومن أجأ حولى رعان « 3 » كأنها * قبائل خيل من كميت « 4 » ومن ورد « 5 »
هامش
( 1 ) حملتها في الحقب ، وهو الحزام الذي يشد عليه صدر الناقة ، أي إذا حملتها العيس .
( 2 ) أي صارت أنضاء هزيلة .
( 3 ) جمع رعن وهو أنف الجبل .
( 4 ) الكميت الأحمر .
( 5 ) الأصهب وهو لون الظباء . التبريزي : شرح حماسة أبى تمام .