- 4 -
وأول ما يسترعي انتباهنا مشكلة الخلافة . فالإسلام يؤكد أمر الشورى ، ولكنه لم يضع هيكل نظام سياسي للعرب . لذا كان طبيعيا أن يستعين المسلمون الأولون بتقاليدهم العربية السياسية آخذين المبادئ الإسلامية بعين الاعتبار .
ونلاحظ في اختيار الخليفة الأول أثر كل من الاتجاهين القبلي والإسلامي وتضافرهما إلى حدّ واضح .
فقد انقسم المسلمون عند وفاة الرسول إلى كتل على أساس قبلي ، وكان لكل كتلة مرشحها . وهذا ينسجم مع ما اعتادوه من أساليب سياسية قديمة في الحكم .
فالكتلة الأولى من الهاشميين وبعض الأمويين وطلحة والزبير تؤيد عليا وترى حقه طبيعيا في الرئاسة . والكتلة الثانية مالت إلى أبي بكر وكانت نشيطة تشمل أكثر المهاجرين ويظهر أنها تفاهمت قبل اجتماع الأنصار في السقيفة « 13 » . والكتلة الثالثة وتشمل أكثر الأنصار وهي التي اجتمعت في السقيفة تؤيد ترشيح سعد بن عبادة سيد الخزرج ، ولكنها كانت تضعفها الحزازات وقلة الثقة بين الأوس والخزرج وشعورها بأنّ النبي من قريش .
وقد اجتمعت اتجاهات قبلية وإسلامية أدت إلى انتخاب أبي بكر . فمن الناحية الإسلامية ترى النقاط التالية :
صلّى أبو بكر بالمسلمين بتفويض من الرسول في مرضه الأخير ، فعدّت إمامة الصلاة ترشيحا لقيادة الأمة « والصلاة أفضل دين المسلمين » . وهناك صلة أبي بكر القوية بالرسول وصحبته له دائما يتمثل ذلك في هجرته إلى المدينة ، فهو
ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ
« * » . كما أنّ انتخابه لرئاسة المسلمين الذين ينتمون إلى قبائل مختلفة إنما هي فكرة إسلامية تنافي الفكرة القبلية التي تفكر باختيار رئيس لقبيلة واحدة .
ومن الناحية القبلية نرى التكتل الذي أشرنا إليه ، ثمّ التأكيد عند البيعة لأبي بكر على سنه وخبرته وخدمته ، وهذه من التقاليد العربية التي لم يبدلها الإسلام . ثمّ
هامش
( 13 ) هذا التفاهم بين أكثر المهاجرين قبل السقيفة هو الذي يوضح الموقف الذي اتخذه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة في السقيفة ، إذ تكلموا باسم المهاجرين ، يردون دعوة الأنصار حيث يصرح عمر بذلك . انظر :
الطبري ، تاريخ الطبري : تاريخ الرسل والملوك ، ج 3 ، ص 218 - 221 . أما رأي لامنس عن وجود مؤامرة ثلاثية ، فليس له سند من المصادر بل إنها لتنقضه .
( * ) القرآن الكريم ، « سورة التوبة ، » الآية 40 .