العصبية القبلية أمور مسؤولة كثيرا عن ظهور الأنبياء الكذابين مثل طليحة في بني أسد والأسود العنسي ( الذي خرج في حياة الرسول ) في اليمن ، وذي التاج لقيط بن مالك الأزدي في عمان ، وربما كان للناحية القبلية الأثر الأول في ظهورهم .
ولم تكن حروب الردة إذا لإرجاع ناس أسلموا ثم تركوا الإسلام ، بل كانت حروبا سياسية دينية لإخضاع من لم يخضع وضمه إلى حظيرة الإسلام .
ولا ننسى امتزاج الدين بالسياسة في الدعوة الإسلامية منذ بدئها . إنها حركة توحيد العرب . وقد أتم أبو بكر توحيد الجزيرة ، وعلى هذا يمكننا عدّ عمله متمما لعمل الرسول وقمة الوعي السياسي الداخلي أو الميل نحو التكتل الذي ظهر بشكل ضعيف مرتجف قبيل الإسلام .
وكان أول أثر لحروب الردة ، قبل توحيد الجزيرة ، توحيد صفوف المدينة ، بعد الخلافات والمنافسات التي خلفتها المعركة الإنتخابية الأولى ، وتلا ذلك توحيد الجزيرة .
انتصر التيار الإسلامي بعد وفاة الرسول ( صلى اللّه عليه وسلم ) وتدفق هذا التيار المنتصر وسار خطوة جديدة بالتوسع خارج الجزيرة . وهذا التوسع يعني نشر سيادة الإسلام وتوسيع أراضيه لا نشر العقيدة . حمل التيار الإسلامي هذه المرة العرب تحت لوائه ورمى بهم إلى الخارج كقوة موحدة . وكان أهل المدن أبطال الإسلام في الردة ، وهم الآن منظمو الفتوحات وقادتها . وعلينا أن نتذكر الفرق بينهم وبين القبائل في الدوافع وفي درجة الوعي الإسلامي .
لقد تدفق التيار الإسلامي العربي واتجه إلى تكوين إمبراطورية عربية إسلامية .
وكانت ظروف العرب واتجاهات التيار الإسلامي مسؤولة عن ذلك .
ولتوضيح ذلك نلاحظ :
إنّ الإسلام فرض الجهاد على المسلمين . ولما ألقى أبو بكر كلمته الافتتاحية جعل الجهاد من أسس تكوين الأمة الجديدة ، قال : « لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل اللّه ، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم اللّه بالذل » . وقد عدت حملة أسامة التي جهزها الرسول ليرسلها إلى جهة الشام أكبر دليل على رغبته في التوسع خارج الجزيرة . كما أنّ كتبه إلى ملوك البلدان المجاورة وأمرائها كانت دليلا واضحا على رغبته في نشر الإسلام خارج الجزيرة . فالإسلام وجه العرب ، وجعل توسيع رقعة الإسلام من أسس الكيان الجديد .
وأثارت حروب الردة الروح العسكرية في الجزيرة ، ولا ينتظر إهمالها ومن
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام — صفحة 52
مساهمون: عبد العزيز الدوري
ص٥٢