أولها حوالي سنة 3500 ق . م . ، وقد تتابعت في فترات تبلغ حوالي ألف سنة .
وتمت هذه الهجرات الواسعة عادة بتكوين مجتمعات مستقرة ، إذ يسكن الفاتحون والمهاجرون إلى جنب الفارين ، وينشئون قراهم في جوارهم أو يقيمون في مدنهم ، ويتمثلون في العادة لغاتهم وثقافتهم تمثلا تدريجيا . وآخر هذه الموجات - كما قيل - هي الموجة العربية التي نستطيع أن نقول إنها بدأت بهيئة تغلغل تدريجي في القرن الثاني للميلاد ، وأدت إلى تكوين دولتي الغساسنة والمناذرة على طرفي الصحراء منذ القرن الثالث للميلاد ، ثمّ تجمعت وتحفزت وانطلقت قوية شاملة تحت لواء الإسلام وبقيادة عرب المدن ، فغزت الهلال الخصيب وشمالي أفريقية ، وبلغت طلائعها أواسط آسيا وجنوبي فرنسا .
وتدلّ الأبحاث الحديثة على أنّ ضغط البوادي على السهول في الشمال مستمر ، فإذا كانت الحكومات قوية اقتصرت حركة البدو على تغلغل سلمي ، وإذا ضعفت الحكومات اندفع البدو بهيئة طوفان ليغمر السهول ، وهذا ما أشير إليه بالموجات .
وهكذا يتلخص تاريخ الشرق الأدنى في توثب البادية على الأراضي الخصبة ، وفي الصراع المستمر بين البادية والحاضرة . فتكون الغلبة البشرية للبادية والأثر الثقافي عادة للحاضرة في المرحلة الأولى على الأقل .
ثمّ إنّ سعة الأرض في وسط الجزيرة وقسوة الطبيعة وصعوبة المواصلات وتفشي البداوة أمور منعت نشوء دولة موحدة وأبطلت التنظيم السياسي الصحيح .
ويجب ألا ننسى بأن الوسط الصحراوي لا يهيىء المواد التي تكوّن الدولة . فالولاء للأرض يمنعه الترحل ، ووحدة الشعور والتعاون تعوقه صعوبة الحياة والتنازع على البقاء حتى بين المجموعات القريبة ، والانتشار في الأرض يساعد على تعدّد اللهجات ، والحدود لا مفهوم لها . وآخر ما يمكن من الولاء هو العصبية للقبيلة وهي عصبية مفرقة . لذلك لا يفهم البدوي الخضوع لسلطة بشرية خارج قبيلته ، ولذلك لا يدرك فكرة الدولة .
وهكذا عمّت الفوضى السياسية وسط الجزيرة قبل الإسلام وتنوعت اللهجات . ولكن تطورات داخلية حصلت في الجزيرة ساعدت على نوع من التقريب وأعدت الوضع المناسب لحركة جديدة . ولعل العوامل الرئيسية في ذلك وجود البيئة الطبيعية الواحدة التي تؤدي إلى حصول تقاليد وعادات متشابهة أو واحدة ؛ ونشاط التجارة التي ساعدت على الاتصال بين مختلف جهات الجزيرة في الأسواق خاصة ، ثم ضيق الموارد المعاشية التي أوجدت نوعا من التوثّب .
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام — صفحة 41
مساهمون: عبد العزيز الدوري
ص٤١