الشيعة ، بسبب غياب حافظة قانونية وتشريعية متماسكة ومؤطّرة ، فإن التعليمات الشفوية والتعبئة الدينية والثقافية العامة طوال عقود كانت كفيلة بصناعة وضع شبه قانوني يفوق في سطوته القانون المكتوب ، لأنه يستند إلى مبررات أيديولوجية وثقافية متغلغلة في الوعي الشعبي ، بحيث بات المناخ العدائي حيال الشيعة يجيز استعمال الأحكام القضائية والتدابير القانونية والإدارية كافة . وبذلك تصبح الدولة قادرة على تبرئة ذاتها من أية إجراءات تمييزية لسبب غياب الآثار المادية لأدلة الإدانة ، وهذا ما يجعل مقاضاة تلك السياسات التمييزية بالغة الصعوبة ، إن لم تكن مستحيلة ، بل تصبح ( لعبة اللوم ) مخرجا مثاليا للدولة . فقد كانت العبارة الاستهلاكية المستعملة لدى الأمراء والمسؤولين الكبار في الدولة ، تفيد بأن الجهات الدينية المتشددة تتحمّل مسؤولية السياسات التمييزية في الدولة ، بدافع تبرئة ذمّة الطبقة الحاكمة .
مهما يكن ، فإن أوضاعا كهذه تجعل الحقوق في مهب الضاع ، فيتقاذف أطراف اللعبة السياسية الاتهامات ، وتمضي الضحايا والمتضررون من السياسات التمييزية نحو المطالبة بتوفير ضمانات قانونية ودستورية مكتوبة من أجل منع سريان تلك السياسات في المستقبل .
وهناك تجارب في العديد من الدول على تضمين مواد دستورية تكفل الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية للأقليات التي تكون حقوقها عرضة لأن تنتهكها الدولة .
وفي غير تلك الحالات ، أي حين تعجز الدولة عن توفير الحماية لسكانها ، أو حتى حين يتولّد شعور بالخطر والاضطراب الأمني لدى الجماعات السكانية ، تبدأ هذه الجمعات في البحث عن خيارات حماية خارج إطار الدولة ، وربما تفكّر في الاعتماد على ذاتها بغية جبه الأخطار الداخلية وربّما الخارجية .
في المقابل ، هناك حقائق ميدانية تتضافر في تمهيد أرضية انشقاقية ، وقد تلعب الظروف السياسية وممارسات الحكومة المركزية في تحويلها إلى محرّضات فاعلة على تبنّي خيارات راديكالية من جانب جماعات سكانية معينة .
الشيعة في السعودية — صفحة 33
مساهمون: فؤاد ابراهيم
ص٣٣