أولا - الوحي إلى الملائكة
: الملائكة جمع مفرده : الملك . وهو أشهر في كلام العرب من الصيغة الأخرى بالهمز وذلك في قولهم عن الواحد منها الملأك . وأصله الرسالة . قال عدي بن زيد :
أبلغ النعمان عني ملأكا * أنه قد طال حبسي وانتظاري « 1 »
فيستفاد من المعنى اللغوي للملائكة هنا أنهم سموا كذلك لأنهم رسل اللَّه تعالى بينه وبين عباده من الأنبياء .
وقد اختلف فيهم هل أنهم جميعا من الرسل أم بعضهم دون بعض ؟
فقال بعض المفسرين : إن جميعهم رسلا . وقال آخرون : إن بعضهم رسل وبعضهم الآخر ليسوا كذلك ، واستدلوا بقوله تعالى :
. . يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ . .
[ الحج : 75 ] ، فلو كانوا جميعا رسلا لكانوا جميعا مصطفين ، لأن الرسول لا يكون إلا بالاصطفاء « 2 » .
ويمكن التوفيق بين الرأيين المختلفين بالقول أن الخلاف منحصر في الخصوص والعموم في معنى الرسالة . فالقائلون برسالة بعضهم دون بعض فهموا من الرسالة والإرسال معنى خاصا ينحصر بما كان إرسالا لهم بالوحي والتشريع إلى الأنبياء عليهم السلام .
وفهم آخرون المعنى العام للرسالة في كونهم وسائط بينه تعالى وبين خلقه عموما في إجراء الأوامر التكوينية .
وهذا التوفيق بين الرأيين مستند إلى أن الآيات الكريمة نفسها عبرت عنهم بلفظ الرسل في مواضع عديدة بغض النظر عن كون إرسالهم إلى الأنبياء أو في وظائف أخرى . قال تعالى :
إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ . .
[ يونس : 21 ] . وقال تعالى :
. . حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا . .
[ الأنعام : 61 ] .
وما يهمنا في هذا المقام الطريق الذي يتلقى به الملائكة الوحي ثم يقومون بإبلاغه إلى الأنبياء عليهم السلام . وسينحصر بحثنا في ذلك على ما دار حول قوله
هامش
( 1 ) انظر الطبري : جامع البيان ( 1 / 155 ) .
( 2 ) الطوسي : التبيان ( 1 / 130 ) .