فهذا الإلهام عنه تعالى يمثل عرفان يتلقاه النبي مباشرة عن اللَّه تعالى دون أن تكون للنبي وسيلة في دفعه أو التحكم فيه أو توجيهه . فالنبي ليس إلا صفحة ينطبع فيها ما يوحى به فهو يحسه ويعيه ويعلم أنه علم جديد ليس له سابق عنده ، ويعلم أنه من اللَّه تعالى بعلم ضروري .
الصورة الرابعة : الوحي المباشر
: وذلك بأنه تعالى أوحى إليه صلّى اللَّه عليه وسلّم دون أي شكل من الوسائط .
ويستدل القائلون بهذه الصورة من الوحي بما في سورة النجم من قوله تعالى :
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
[ النجم :
8 - 10 ] وسياق الآيات وما قبلها في السورة في مقام بيان ما كان للرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم ليلة المعراج إلى السماوات ، فهؤلاء المفسرون يرون أنه تعالى كلم رسوله تلك الليلة فيما أشار إليه بقوله :
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
بأن قربه تقريبا سقطت به الوسائط جملة فكلمه بالوحي من غير واسطة « 1 » .
والقائلون بهذا التفسير للآية من المفسرين يستندون في قولهم إلى أن المذكور في الآية من دنو وتدل ووحي كان بينه تعالى وبين النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بلا واسطة « 2 » .
إلا أن مفسرين آخرين كالحسن والربيع وابن زيد وابن عباس - في رواية عنه مع من أيدهم من ممن تأخر عنهم كالزمخشري يذهبون إلى أن ما في الآية من الدنو والتدلي والوحي تعود ضمائرها إلى جبريل ، فهو الذي دنا وتدلى وأوحى إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم ما أوحاه اللَّه إليه « 3 » .
وأما طريقة هذا الوحي المباشر فقد قال القمي فيه : إنه كان وحي مشافهة « 4 » .
وقال أبو بكر الرازي : إن تكليمه تعالى للنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم في تلك الليلة كان مواجهة بالإشارة « 5 » .
هامش
( 1 ) الميزان ( 2 / 325 ) .
( 2 ) انظر التبيان ( 9 / 424 ) .
( 3 ) انظر الكشاف ( 4 / 28 - 29 ) ، ومجمع البيان ( 9 / 173 ) .
( 4 ) تفسير القمي ( 2 / 334 ) .
( 5 ) مسائل الرازي وأجوبتها ( ص 311 ) .