تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
والحركات في مقدار ، وأن ذلك إنما قدّر تقديرا بعلم اللطيف الخبير ، وهيهات للمقاييس البشرية أن تقرى على ضبط الكلام بهذه القوالب الدقيقة . وعلى الرغم من أن القرآن لا ينضبط بشيء من أعاريض النظم وأوزانه المعروفة ، إلا أنك تشعر مع ذلك بتوقيع موزون من تتابع كلماته ، بحيث يؤلّف اجتماعها إلى بعضها لحنا مطربا يفرض نفسه على صوت القارئ العربي كيفما قرأ ، إذا كانت قراءته صحيحة . كما تلاحظ لدى قراءتك لهذه الآيات . ولعلّ من أبرز آثار هذه الظاهرة ، أن حفظ القرآن غيبا أيسر على الإنسان من حفظ سائر أنواع النثر . ذلك لأنه منضبط بأوزان وإيقاعات خاصّة به ، فيسهل بذلك حفظه والتنبّه إلى الخطأ الذي قد يقع القارئ فيه عندما يقرؤه غيبا . بل المعروف لدى من مارس حفظ القرآن أن الخطأ قلّما يقع في حفظه وضبطه إلا من وجه واحد ، هو ما قد يكون بين الآيات من تشابه ، فيأتي الخطأ من خلط آية بأخرى والوقوع في اللبس بينهما .

ثانيا : دلالتها بأقصر عبارة على أوسع معنى :

وهذه ظاهرة جليّة تستطيع أن تتبينها في طريقة التعبير القرآني ، مهما اختلفت بحوثه وموضوعاته لا تجد في الجملة القرآنية كلمة زائدة يصلح المعنى مع الاستغناء عنها ، ولا تستطيع أن تترجم معناها بألفاظ عربية من عندك إلا في عدد من الجمل مهما حاولت الإيجاز والاختصار . ولنستعرض طائفة من الأمثلة على ذلك ، والقرآن كله ، كما قلنا ، مثال على هذه الحقيقة . حدّثنا القرآن عن الضمانات التي أعطاها لآدم بعد خلقه ، مما يحتاجه الإنسان في حياته من كل ما يدخل في مقوّمات بقائه وعيشه . لقد وضع البيان الإلهي هذه الاحتياجات كلها في جملتين فقط وهما قوله عزّ وجلّ خطابا لآدم :
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
( طه : 118 و 119 ) ، فتأمل في هاتين الجملتين ، وألفاظهما وكيفية صياغتهما وكيف أنهما جمعتا أصول معايش الإنسان كلها من طعام وشراب وملبس