تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقدمات في علم القراءات — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
وبعد ما اندفعت طلائع المدّ الإسلامي وضمت إليها بلاد الشام بعد موقعة اليرموك الفاصلة ، وحينما صارت دمشق الشام حاضرة من حواضر الإسلام الكبرى ، بدأ كثير من الأسر والقبائل تنتقل إليها لتنعم بالعيش في أفياء عدل الإسلام وكان ابن عامر ممن ارتحلوا إلى دمشق مع أهله وهو ابن تسع سنين ، وهناك قدّر له أن يطلب العلم على أيدي عدد من أصحاب رسول اللّه عليه الصلاة والسلام وهم الذين كانوا أساتذة الدنيا ومعلمي البشرية ، وكان العلم كالماء والهواء يتمتع بتحصيله كل راغب دون منة ولا عناء ، فالفتح الإسلامي كان فتحا فكريا وعلميا قبل أن يكون فتحا عسكريا ، وكانت المدارس ودور العلم تنتشر وتزداد كلما اتسعت رقعة الفتوح . ومن أبرز الصحابة الذين لقيهم ابن عامر وسمع منهم : معاوية بن أبي سفيان ، والنعمان بن بشير ، وواثلة ابن الأسقع ، وفضالة بن عبيد ، وأبو الدرداء . ونبغ في كثير من العلوم وخصوصا علم القرآن الذي هو مصدر العلوم ومعينها ، إذ كانت قراءة القرآن آنذاك مقدمة على كل العلوم ، ومن أتقنها وبرع فيها فهو الإمام المفضل والقدوة المبجل ، وفي هذا المعنى كان الصحابة يقولون : « كان الرجل إذا حفظ سورة البقرة وآل عمران جد فينا » أي كانت له مكانة بيننا وعرفنا له قدره وفضله . - شيوخه : كان ابن عامر أحد الطلبة النجباء الحريصين على القرآن الكريم قراءة وتدبرا وعملا فقد أخذ القراءة عرضا عن أبي الدرداء ، والمغيرة بن أبي شهاب المخزومي ، وفضالة بن عبيد ، وصار رأسا وإماما في القراءة والإقراء ، وفي ذلك يقول ابن مجاهد التميمي « وعلى قراءة ابن عامر أهل الشام والجزيرة » وهذا القول دليل على مكانة ابن عامر حيث صارت قراءته في ذلك الزمان قراءة عامة المسلمين في الشام والجزيرة . قال ابن الجزري : « ولا زال أهل الشام قاطبة على قراءة ابن عامر تلاوة وصلاة وتلقينا إلى قريب الخمسمائة » . عاش ابن عامر بين أهل دمشق دهرا طويلا ، نذر نفسه للقرآن والعلم والدعوة ، وتولى عددا من المناصب ، حيث كان إمام الجامع بدمشق وهو الذي كان ناظرا على عمارته حتى فرغ .