كذلك في تلك النشأة الأخرى ، فصحيح أنّ القرآن يقول لهم لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ، ولكن الذي يشاؤون يكون على قدر الشجرة الطيّبة التي زرعوها في الدُّنيا ، ولذا ورد في الروايات أنّ درجات الجنّة على عدد آيات
القرآن الكريم ، ويُقال للإنسان إقرأ وارقَ ، أي أنّه كلّما استطاع أن يتفهّم هذا الإنسان معرفة من معارف القرآن الكريم سوف يصعد درجة من درجات الجنّة .
ونصّ الرواية : عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « . . .
وعليكم بتلاوة القرآن فإنّ درجات الجنّة على عدد آيات القرآن ، فإذا كان يوم القيامة يُقال لقارئ القرآن : إقرأ وارق ، فكلّما قرأ آية رقى درجة
» « 1 » .
فالقضيّة إذن ليست مطلقة ، بل محدودة بسبب محدوديّة معارف الإنسان ووعائه الوجودىّ ، لا أنّ الله يحدّده ، فجوده وكرمه أوسع من ذلك بكثير ، ولذا يقول أهل المعرفة والفلاسفة : « إنّ المعرفة هنا بذر المشاهدة هناك » .
ومن الشواهد الروائيّة على كون عالم الآخرة ليس عالم الأسباب والمسبّبات وأنّه عالم « كن فيكون » هذه الروايات :
* في التفسير المنسوب للإمام العسكري عليه السلام : «
إنّ في الجنّة طيوراً كالبخاتى ، عليها من أنواع المواشي ، تصير ما بين سماء الجنّة وأرضها ، فإذا تمنّى مؤمن محبّ للنبىّ وآله عليهم السلام الأكل من شئ منها وقع ذلك بعينه بين يديه ، فتناثر ريشه وانشوى وانطبخ ، فأكل من جانب منه قديداً ومن جانب منه مشويّاً بلا نار ، فإذا قضى شهوته ونهمته وقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
عادت كما كانت فطارت في الهواء ، وفخرت على سائر طيور
هامش
( 1 ) أمالي الصدوق ، الحديث 10 ص 441 .