الاختيار - المتناقضين ولكن بتلطيف في التناقض .
أمّا الأولى ( الديانة الربانية ) فهي الديانة المسيحية الوارثة بلا واسطة آثار الآريين والمقطوعة الصلات بالمرة مع مذهب السامية وإن كانت مشتقة منه وغصنا من دوحته . ومن خصائص هذه الديانة ( المسيحية ) ترقية شأن الإنسان بتقريبه من الحضرة الإلهية ! على حين أنّ الديانة الثانية ( البشرية ) وهي الإسلام المشوبة بتأثير مذهب السامية تحطّ بالإنسان إلى أسفل درك وترفع الإله عنه في علاء لا نهاية له .
هذان الميلان المختلفان يظهران ظهورا واضحا في الاعتقاد الأساسي لكلتا الديانتين وهو أصل الألوهية . أمّا المسيحي فيذهب في هذا الأصل إلى الثالوث اي أنّ الإله أوجد الإله الابن واتّصل الاثنان بصلة هي روح القدس . وعليه فيكون يسوع المسيح إلها ومبشّرا .
هذا الثالوث السرّي المشتقة أصوله من ضرورة إله بشري يمحو ذنب الجنس البشري ويفديه من الخطيئة التي اقترفها . . . يرفضه المسلم الذي يعتقد بوحدانية الرب ويتمسك بهذا الاعتقاد تمسّكا شديدا حيث يقول : لا إله إلّا اللّه . غير أنّ ادراك المسيحيين من هذا القبيل هو أخفّ وأعلى وأجلب للثقة إذ هو يحملهم على إتيان الأعمال التي تقرّبهم إلى اللّه ، حيث الوسائط بينهم وبين ذاته الحالية موصولة . في حين أنّ المسلمين تجعلهم ديانتهم كمن يهوي في الفضاء بحسب ناموس لا يتحول ولا يتبدل ولا حيلة فيه سوى متابعة الصلوات والدعوات والاستغاثة باللّه الأحد الذي هو مستودع الآمال ، ولفظة الإسلام معناها ( الاستسلام المطلق لإرادة اللّه ) .
وقد كتب رينان في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وكان يظن أنّ هذا الأسلوب مختص بالعقلية الاستعمارية التي كانت تسيطر على العالم الغربي آنذاك .
واما العقلية العلمية التي تدّعيها العقلية الغربية المعاصرة والتي ينظر إليها على أنّها
محاضرات في علوم القرآن — صفحة 51
مساهمون: الشيخ محمد علي التسخيري
ص٥١