المعارف الإلهية والحكم الدقيقة ، فكان من نتيجته أنّ من المتشابهات ما لا ترجع معانيها إلى المحكمات ، وقد مرّ أنّ ذلك مخالف لمنطوق الآيات الدالّة على أنّ القرآن يفسّر بعضه بعضا وغير ذلك . « 1 » وهذه المناقشة لا تقوم على أساس منطقي ؛ إذ ما الذي يمنع من وجود هذين القسمين من المعاني إذا كان المانع من ذلك هو ما يشير إليه العلّامة الطباطبائي من أمومة المحكمات للمتشابهات . . . ؟ فقد عرفنا أنّ هذه الأمومة لا تعني أكثر من وضع حدود خاصّة معيّنة للمتشابهات تمنع عن الزيغ فيها وتسقط من الحساب جميع الصور والتجسيدات غير المنسجمة مع روح القرآن . وهذا لا يعني تجسيد الصورة الحقيقية للمعنى المتشابه وتعيينها في مصداق خاصّ حتّى تختفي الفائدة منه .
فقوله تعالى
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
« 2 » محكم يسقط من الحساب جميع التجسيدات التي تشبه الأشياء كمفهوم الاستواء على العرش في قوله تعالى
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
« 3 » ولكنه لا يعطينا الصورة الواقعية والمصداق المجسّد لهذا الاستواء ، فهو معنى مستقلّ لا يمكن أن نفهمه عن ذلك المحكم
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
.
وإذا عرفنا دور المحكم تجاه المتشابه أمكننا أن نتصوّر بسهولة أنّ بعض المعاني لا يدركها إلّا الراسخون في العلم دون العامّة ، خصوصا المعاني التي ترتبط ببعض المعلومات الكونية الطبيعية كجريان الشمس ف
الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها
« 4 » أو
هامش
( 1 ) الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن ، ج 3 ، ص 8 .
( 2 ) الشورى : 11 .
( 3 ) طه : 5 .
( 4 ) يس : 38 .