فتعلّق به أبوه وكان في ظلّ نخل له وقال : لا تدع أباك وأمّك شيخين ضعيفين ربّياك صغيرا حتى إذا احتاجا إليك تركتهما ! فقال : نعم أتركهما لما هو خير لي . فخرج غازيا بعد أن أرضى أباه ، فأبطأ وكان أبوه في ظلّ نخل له ، وإذا حمامة تدعو فرخها ، فرآها الشيخ فبكى ، فرأته العجوز يبكي فبكت ، وأنشأ يقول :
لمن شيخان قد نشدا كلابا * كتاب اللّه إن ذكر الكتابا
أناديه ويعرض لي حنين * فلا وأبي كلاب ما أصابا
تركت أباك مرعشة يداه * وأمّك ما تسيغ لها شرابا
فإنّ أباك حين تركت شيخ * يطارد أينقا « 1 » شزبا « 2 » جذابا
إذا رتّعن إرقالا سراعا * أثرن بكلّ رابية ترابا
طويلا شوقه يبكيك فردا * على حزن ولا يرجو الإيابا
إذا غنّت حمامة بطن وجّ * على بيضاتها ذكرا كلابا
فبلغت هذه الأبيات عمر بن الخطّاب ، رضي اللّه عنه ، فأرسل إلى كلاب فوافاه فقال :
إنّه بلغني أنّ أباك وجد لفراقك وجدا شديدا فبما ذا كنت تبرّه ؟ قال : كنت أبرّه بكلّ شيء حتى أني كنت أحلب له ناقة فإذا حلبتها عرف حلبي . فأرسل عمر ، رحمه اللّه ، إلى الناقة فجيء بها من حيث لا يعلم الشيخ فقال له : احلبها . فقام إليها وغسل ضرعها ثمّ حلبها في إناء . فأرسل عمر ، رحمه اللّه ، بالإناء إلى أبيه فلما أتي به بكى ثمّ قال : إني أجد في هذا اللبن ريح كلاب .
فقال له نسوة كنّ عنده : قد كبرت وخرفت وذهب عقلك ، كلاب يظهر الكوفة وأنت تزعم أنّك تجد ريحه ! فأنشأ يقول :
أعاذل قد عذلت بغير علم * وهل تدري العوازل ما ألاقي
سأستعدي على الفاروق ربّا * له حجّ الحجيج على اتّساق
إن الفاروق لم يردد كلابا * إلى شيخين ما لهما تواقي
فقال له عمر : اذهب إلى أبيك فقد وضعنا عنك الغزو وأجرينا لك العطاء . قال : وتغنّت الركبان بشعر أبيه . فبلغه فأنشأ يقول :
لعمرك ما تركت أبا كلاب * كبير السّنّ مكتئبا مصابا
وأمّا لا يزال لها حنين * تنادي بعد رقدتها كلابا
لكسب المال أو طلب المعالي * ولكنّي رجوت به الثّوابا
هامش
( 1 ) أينقا : أعنزا جمع عنزة .
( 2 ) شزبا : ضامرات البطون من الجوع .