مساوئ المسايرة
ذكر عن عبد اللّه بن الحسن أنّه بينا هو يساير أبا العبّاس السفّاح بظهر مدينة الأنبار وهو ينظر إلى بناء قد بناه إذ قال أبو العبّاس : هات ما عندك يا أبا محمّد . وهو يستطعمه الحديث بالأنس منه . فأنشده :
ألم تر حوشبا أمسى يبنّي * بناء نفعه لبني بقيله
يرجّي أن يعمّر عمر نوح * وأمر اللّه يحدث كلّ ليله
فتبسّم أبو العباس وقال : لو علمنا لاشترطنا حقّ المسايرة . فقال عبد اللّه : يا أمير المؤمنين بوادر الخواطر وأعقال المشايخ . قال : صدقت خذ في غير هذا .
وذكر عن المدائني قال : بينا عيسى بن موسى يساير أبا مسلم في منصرفه عن أبي جعفر في اليوم الذي قتل فيه إذ أنشد :
سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت * وما حلّ في أكناف عاد وجرهم
ومن كان أسنى منك عزّا ومفخرا * وأنهض بالجيش اللّهام العرمرم
فقال أبو مسلم : هذا مع الأمان الذي أعطيت . فقال عيسى : عتق ما يملك إن كان هذا لشيء من أمرك وما هو إلّا خاطر . قال : فبئس واللّه الخاطر !
محاسن المسامرة
قال الكسائيّ « 1 » : دخلت على الرشيد ذات يوم وهو في إيوانه وبين يديه مال كثير قد شقّ عنه البدر شقّا وأمر بتفريقه في خدم الخاصّة وبيده درهم تلوح كتابته وهو يتأمّله ، وكان كثيرا ما يحدّثني ، فقال : هل علمت من أوّل من سنّ هذه الكتابة في الذهب والفضّة ؟ قلت : يا سيّدي هذا عبد الملك بن مروان . قال : فما كان السبب في ذلك ؟ قلت : لا علم لي غير أنّه أوّل من أحدث هذه الكتابة .
فقال : سأخبرك ، كانت القراطيس للروم وكان أكثر من بمصر نصرانيا على دين الملك ملك الروم ، وكانت تطرّز بالرومية وكان طرازها أبا وبنا وروحا قدّيشا . فلم يزل كذلك صدر الإسلام كلّه يمضي على ما كان عليه إلى أن ملك عبد الملك فتنبّه عليه وكان فطنا ، فبينا هو
هامش
( 1 ) الكسائي علي بن حمزة الأسدي بالولاء إمام في اللغة والنحو والقراءة من أهل الكوفة توفي سنة ( 189 ه ) .