من رأي أمير المؤمنين أكره إمضاءها وإنفاذها . فقال الشعبي : لا عليك أيّها الأمير ، إنّما الوالي والد يخطئ ويصيب ، وما يرد عليك من رأي أمير المؤمنين فإن استطعت أن تردّه فاردده وإلّا فلا ضير عليك . فقال : ما تقول يا أبا سعيد ؟ فقال الحسن : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من استرعاه اللّه جلّ وعزّ رعيّة فلم يحط من ورائها بالنصيحة حرّم اللّه عليه الجنة » « 1 » ، وأمّا رأي أمير المؤمنين فإذا ورد عليك فاعرضه على كتاب اللّه وإن وافقه فأمضه وإن خالفه فاردده ، فإنّ اللّه جلّ وعزّ يمنعك من يزيد ولن يمنعك يزيد من اللّه . ثمّ أقبل الحسن على الشعبيّ فقال : ويلك يا شعبيّ ! يقول الناس إنّ الشعبيّ فقيه أهل الكوفة فدخل على جبّار من الجبابرة فيزيّن له المعصية ! فقال : واللّه يا أبا سعيد لقد قلت وأنا أعلم ما فيه ! قال : ذلك أوكد للحجّة عليك وأبعد لك من العذر .
قيل : ووجد في كتب بزرجمهر صحيفة فيها : إنّ حاجة اللّه جلّ وعزّ إلى عباده أن يعرفوه ، فمن عرفه لم يعصه طرفة عين . كيف البقاء بعد الفناء ؟ كيف يأسى المرء على ما فاته والموت يطلبه ؟
فقال كسرى : لم يكن من حقّ عليه أن يقتل وأنا نادم على ذلك .
قيل : وحضرت الوفاة رجلا من حكماء فارس فقيل له : كيف حالك ؟ فقال : كيف يكون حال من يريد سفرا بعيدا بغير زاد ويقدم على ملك عادل بغير حجّة ويسكن قبرا موحشا بغير أنيس ؟ !
مساوئ المواعظ
قال : لمّا مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز جزع عليه عمر جزعا شديدا ، فقال ذات يوم لمن حضره : هل من منشد شعرا أتعزّى به أو واعظ يخفّف عني فأتعزّى وأتسلّى ؟
فقال رجل من أهل الشام : يا أمير المؤمنين كلّ خليل مفارق خليله بأن يموت أو بأن يذهب إلى مكان . فتبسّم عمر ، رحمه اللّه ، ثمّ قال : ويحك ! مصيبتي فيك زادتني مصيبة . قيل :
وأصيب الحجّاج بمصيبة وعنده رسول عبد الملك بن مروان فقال : ليت إني وجدت إنسانا يخفّف عني مصيبتي ! فقال رجل ممّن حضر : أقول ؟ قال : قل . فقال : كلّ إنسان يفارق صاحبه يموت أو يصلب أو يقع من فوق البيت أو يقع البيت عليه أو يسقط في بئر أو يغشى عليه
هامش
( 1 ) ذكره الهندي في كنز العمال رقم الحديث ( 14738 ) ، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار ( 2 / 341 ) .