الرشيد فيما كان إليه من ولاية العهد خلعه عن ذلك وصرفه عنه ، فأظهر ذلك فيمن بحضرتك وأمر بالكتاب إلى العمال في نواحي عملك وثغورك وولاة الأمصار ، فقد أمر أمير المؤمنين أن يكون ذلك توفيقا من اللّه تبارك اسمه ورشدا ألهمه إياه إذ كان به توفيقه وعليه معوله وإليه رجوعه فيما يبرم ويمضي ، فامتثل ما حده لك أمير المؤمنين انته إليه واكتب بما يكون منك فيه إن شاء اللّه .
قال : ونظر المأمون يوما إلى ابنه العباس وأخيه المعتصم ، فابنه العباس يتخذ المصانع ويبني الضياع والمعتصم يتخذ الرجال ، فقال شعرا :
يبني الرجال وغيره يبني القرى * شتّان بين قرى وبين رجال
قلق بكثرة ماله وضياعه * حتى يفرّقه على الأبطال
وأنشد في مثله :
لمّا رأيتك لا تجود بنائل * وتظنّ بالمعروف ظنّ السّاقط
ورأيت همّتك التي تعلو بها * سوط الثّريد وشمّ ريح الغائط
وإذا تكلّف حاجة ضيّعتها * بتغافل عنها كأنّك واسطي
لا للمكارم تشرئب بنهضة * ولدى المكاره كالحمار الضّارط
أيّست نفسي من رجائك دهرها * ونقشت شبهك صورة في حائط
وقال آخر ، سامحه اللّه عز وجل :
إذا أنت لا ترجى لدفع ملمّة * ولا أنت في المعروف عندك مطمع
ولا أنت ذو جاه يعاش بجاهه * ولا أنت يوم الحشر ممّن يشفّع
فموتك في الدّنيا وعيشك واحد * وعود خلال من نوالك أنفع
ولآخر ، سامحه اللّه وعفا عنه :
كلّما قلت ويك للكلب إخسأ * لحظتني عيناك لحظة تهمه
أتراني أظن أنّك كلب * أنت عندي من أبعد النّاس همّه
محاسن كرم الصحبة
قال ابن أبي طاهر : حدثوني عن عبد اللّه بن مالك قال : كنت أتولى الشرطة للمهدي وكان يبعث إلى في ندماء الهادي ومغنيه أني أضربهم وأحبسهم صيانة له عنهم ، فبعث الهادي يسألني الرفق بهم والترفيه عنهم ، فلا ألتفت إلى ذلك وأمضي إلى ما يأمر به المهدي .