* وتبعه في ذلك الإمام ابن كثير في تفسيره حيث قال : لكن يتأكد ذلك في الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة وحجة من خص الأمر بالإنصات على الصلاة حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا قرأ فأنصتوا » « 1 » .
قلت : والجمع بين هذه الأقوال هو الراجح لدى وهو كون الاستماع والإنصات للقرآن الكريم يدور حكمه بحسب المقام الذي يقرأ فيه . فإن كان في الصلاة ، أو كان المقام الذي يقرأ فيه مقام قراءة للقرآن ، كأن يكون الإنسان في مقرأة مثلا وجب وتأكد الاستماع والإنصات .
أما ما عداها من الأحوال المختلفة التي يتنقل بينها الإنسان من عمل ، أو حديث أهل ، أو جلوس على طعام ، أو ما شابه ذلك . فالاستماع ، والإنصات بالمعنى الذي سبق الإشارة إليه يستحب ولا يجب . فلا يقل أحد : بأنه يجب على كل مسلم إذا سمع أحد يقرأ القرآن أن يشتغل بالاستماع وينصت إذ قد يكون القارئ يقرأ بمحضر صانع . فلو وجب عليه الاستماع لأمر بترك عمله ، وهذا لا يصح بحال . واللّه أعلم .
ثم يسوق اللّه سبحانه وتعالى . لنا مشهدا من عالم الغيب وهو حكاية استماع نفر من الجن للقرآن ويصور لنا ما وقع في حسهم منه من التأثر والخشوع . فتعالوا بنا ننظر ما ذا قالوا . . . .
قال تعالى :
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ
« 2 » .
فإن أول ما قالوا حينما طرق القرآن أسماعهم أن تنادوا بالإنصات فكانت الاستجابة الطبيعية المستقيمة لسماع القرآن مع الإنصات له . اطمأنت قلوبهم إلى
هامش
( 1 ) صحيح مسلم بشرح النووي ( ج 4 ، ص 131 ) من حديث أبي موسى الأشعري .
( 2 ) الأحقاف : 29 .