الجزء الثاني
الباب الثاني والثلاثون في آداب الحضرة الإلهية
كل الآداب تتلقى من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه عليه السلام مجمع الآداب ظاهرا وباطنا .
وأخبر اللّه تعالى عن حسن أدبه في الحضرة بقوله تعالى :
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
( 17 ) « 1 » .
وهذه غامضة من غوامض الآداب اختص بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
أخبر اللّه تعالى عن اعتدال قلبه المقدس في الإعراض والإقبال ، أعرض عما سوى اللّه ، وتوجه إلى اللّه ، وترك وراء ظهره الأرضين والدار العاجلة بحظوظها ، والسماوات والدار الآخرة بحظوظها .
فما التفت إلى ما أعرض عنه ، ولا لحقه الأسف على الغائب في إعراضه : قال اللّه تعالى :
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ
« 2 » .
فهذا الخطاب للعموم ، وما زاغ البصر إخبار عن حال النبي عليه السلام بوصف خاص من معنى ما خاب به العموم .
فكان ما زاغ البصر حاله في طرف الإعراض ، وفي طرف الإقبال تلقى ما ورد عليه في مقام قاب قوسين بالروح والقلب .
ثم فر من اللّه تعالى حياء منه وهيبة وإجلالا ، وطوى نفسه بفراره في مطاوي انكساره وافتقاره ، لكيلا تنبسط النفس فتطغى .
فإن الطغيان عند الاستغناء وصف النفس ، قال اللّه تعالى :
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
( 7 ) « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة النجم : الآية 17 .
( 2 ) سورة الحديد : الآية 23 .
( 3 ) سورة العلق : الآيات 6 - 7 .