ومن الإشارة إلى الفناء ما روى عن عبد اللّه بن عمر أنه سلم عليه إنسان وهو في الطواف فلم يرد عليه ، فشكاه إلى بعض أصحابه ، فقال له :
كنا نتراءى اللّه في ذلك المكان .
وقيل : الفناء وهو الغيبة عن الأشياء ، كما كان فناء موسى حين تجلى ربه للجبل .
وقال الخراز : الفناء هو التلاشى بالحق ، والبقاء هو الحضور مع الحق .
وقال الجنيد : الفناء استعجام الكل عن أوصافك ، واشتغال الكل منك بكليته .
وقال إبراهيم بن شيبان : علم الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانية وصحة العبودية ، وما كان غير هذا فهو من المغاليط والزندقة .
وسئل الخراز : ما علامة الفاني ؟ قال : علامة من ادعى الفناء ذهاب حظه من الدنيا والآخرة إلا من اللّه تعالى .
وقال أبو سعيد الخراز : أهل الفناء في الفناء صحتهم أن يصحبهم علم البقاء ، وأهل البقاء في البقاء صحتهم أن يصحبهم علم الفناء .
واعلم أن أقاويل الشيوخ في الفناء والبقاء كثيرة ، فبعضها إشارة إلى فناء المخالفات وبقاء الموافقات ، وهذا تقتضيه التوبة النصوح ، فهو ثابت بوصف التوبة ، وبعضها يشير إلى زوال الرغبة والحرص والأمل ، وهذا يقتضيه الزهد ، وبعضها إشارة إلى فناء الأوصاف المذمومة وبقاء الأوصاف المحمودة ، وهذا يقتضيه تزكية النفس .
وبعضها إشارة إلى حقيقة الفناء المطلق ، وكل هذه الإشارات فيها معنى الفناء من وجه ، ولكن الفناء المطلق هو ما يستولى من أمر الحق سبحانه
عوارف المعارف — صفحة 581
مساهمون: عمر السهروردي
ص٥٨١