قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( 10 )
« 1 » . فإذا تركت النفس تدبرت بالعقل ، واستقامة أحوالها الظاهرة والباطنة ، وتهذبت الأخلاق ، وتكونت الآداب .
فالأدب استخراج ما في القوة إلى الفعل ، وهذا يكون لمن ركبت السجية الصالحة فيه ، والسجية فعل الحق لا قدرة للبشر على تكوينها ، كتكون النار في الزناد ، إذ هو فعل اللّه المحض ، واستخراجه بكسب الآدمي ، فهكذا الآداب منبعها السجايا الصالحة ، والمنح الإلهية .
لما هيأ اللّه تعالى بواطن الصوفية بتكميل السجايا فيها ، توصلوا بحسن الممارسة والرياضة إلى استخراج ما في النفوس مركوز بخلق اللّه تعالى إلى الفعل ، فصاروا مؤدبين مهذبين . والآداب تقع في حق بعض الأشخاص من غير زيادة ممارسة ورياضة ، لقوة ما أودع اللّه تعالى في غرائزهم ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أدبنى ربى فأحسن تأديبى » .
وفي بعض الناس من يحتاج إلى طول الممارسة ، لنقصان قوى أصولها في الغريزة ، فلهذا احتاج المريدون إلى صحبة المشايخ ، لتكون الصحبة والتعلم عونا على استخراج ما في الطبيعة إلى الفعل . قال اللّه تعالى
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً
« 2 » . قال ابن عباس رضى اللّه عنهما : فقهوهم وأدبوهم .
وفي لفظ آخر قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أدبنى ربى فأحسن تأديبى ، ثم أمرني بمكارم الأخلاق فقال
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
( 199 ) « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة الشمس : الآيات 9 - 10 .
( 2 ) سورة التحريم : الآية 6 .
( 3 ) سورة الأعراف : الآية 199 .