روى أن سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه كانا يطويان ثلاثا ثلاثا ، وكان أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه يطوى ستا . وكان عبد اللّه ابن الزبير رضي اللّه عنه يطوى سبعة أيام .
واشتهر حال جدنا محمد بن عبد اللّه المعروف بعمويه رحمه اللّه ، وكان صاحب أحمد الأسود الدينوري أنه كان يطوى أربعين يوما . وأقصى ما بلغ في هذا المعنى الطي رجل أدركنا زمانه ، وما رأيته كان في أبهر يقال له الزاهد خليفة ، كان يأكل في كل شهر لوزة ، ولم نسمع أنه بلغ في هذه الأمة أحد بالطى والتدريج إلى هذا الحد ، وكان في أول أمره على ما حكى ينقص القوت بنشاف العود ، ثم طوى حتى انتهى إلى اللوزة في الأربعين .
ثم إنه قد يسلك هذا الطريق جمع من الصادقين ، وقد يسلك غير الصادق هذا لوجود هوى مستكن في باطنه ، يهون عليه ترك الأكل إذا كان له استجلاء لنظر الخلق ، وهذا عين النفاق نعوذ باللّه من ذلك . والصادق ربما يقدر على الطي إذا لم يعلم بحاله أحد ، وربما تضعف عزيمته في ذلك إذا علم بأنه يطوى ، فإن صدقه في الطي ونظره إلى من يطوى لأجله يهون عليه الطي .
فإذا علم به أحد تضعف عزيمته في ذلك ، وهذا علامة الصادق ، فمهما أحس في نفسه أنه يحب أن يرى بعين التقلل فليتهم نفسه ، فإن فيه شائبة النفاق ، ومن يطوى للّه يعوضه اللّه تعالى فرحا في باطنه ينسيه الطعام ، وقد لا ينسى الطعام ولكن امتلاء قلبه بالأنوار يقوى جاذب الروح الروحاني ، فيجذبه إلى مركزه ومستقره من العالم الروحاني ، وينفر بذلك عن أرض الشهوة النفسانية .
وأما أثر جاذب الروح إذا تخلف عن جاذب النفس عند كمال طمأنينتها ، وانعكاس أنوار الروح عليها بواسطة القلب المستنير ، فأجل من
عوارف المعارف — صفحة 245
مساهمون: عمر السهروردي
ص٢٤٥