الباب الثامن والعشرون في كيفية الدخول في الأربعينية
روى أن داود عليه السلام لما ابتلى بالخطيئة خر للّه ساجدا أربعين يوما وليلة حتى أتاه الغفران من ربه . وقد تقرر أن الوحدة والعزلة ملاك الأمر ومتمسك أرباب الصدق ، فمن استمرت أوقاته على ذلك فجميع عمره خلوة وهو الأسلم لدينه ، فإن لم يتيسر له ذلك وكان مبتلى بنفسه أولا ثم بالأهل والأولاد ثانيا ، فليجعل لنفسه من ذلك نصيبا .
نقل عن سفيان الثوري فيما روى أحمد بن حرب عن خالد بن زيد عنه أنه كان يقال : ما أخلص العبد اللّه أربعين صباحا إلا أنبت اللّه سبحانه الحكمة في قلبه ، وزهده اللّه في الدنيا ، ورغبه في الآخرة ، بصره داء الدنيا ودواءها ، فيتعاهد العبد نفسه في كل سنة مرة .
وأما المريد الطالب إذا أراد أن يدخل الخلوة ، فأكمل الأمر في ذلك أن يتجرد من الدنيا ، ويخرج كل ما يملكه ويغتسل غسلا كاملا بعد الاحتياط للثوب والمصلى بالنظافة والطهارة ، ويصلى ركعتين ، ويتوب إلى اللّه تعالى من ذنوبه ، ببكاء وتضرع ، واستكانة وتخشع ، ويسوى بين السريرة والعلانية ، ولا ينطوى على غل وغش وحقد وحسد وخيانة .
ثم يقعد في موضع خلوته ولا يخرج إلا لصلاة الجمعة وصلاة الجماعة ، فترك المحافظة على صلاة الجماعة غلط وخطأ ، فإن وجود تفرقة في خروجه يكون له شخص يصلى معه جماعة في خلوته ، ولا ينبغي أن يرضى بالصلاة منفردا البتة ، فيترك الجماعة يخشى عليه آفات ، وقد رأينا من يتشوش عقله في خلوته ، ولعل ذلك بشؤم إصراره على ترك صلاة الجماعة ، غير أنه ينبغي أن يخرج من خلوته لصلاة الجماعة وهو ذاكر لا يفتر عن الذكر ، ولا يكثر إرسال الطرف إلى ما يرى ، ولا يصغى إلى ما يسمع ،