ويقرب من ذلك مثلا في الشاهد قطر الغمام يتلاقى مختلف الأجرام .
وهذا وإن عز مشعر ببقية تقدح في صرف الفناء .
نعم قد يتحقق العبد في الفناء متجردا عن الآثار ، منغمسا في الأنوار ، ثم يرتقى منه إلى مقام البكاء ، ويرد إليه الوجود مطهرا ، فتعود إليه أقسام البكاء خوفا وشوقا وفرحا ووجدانا ، بمشاكلة صورها ، ومباينة حقائقها ، بفرق لطيف يدركه أربابه ، وعند ذلك يعود عليه من السماع أيضا قسم ، وذلك القسم مقدور له ، مقهور معه ، يأخذه إذا أراد .
ويرده إذا أراد ، ويكون هذا السماع من المتمكن بنفس اطمأنت واستنارت ، وباينت طبيعتها ، واكتسبت طمأنينتها ، وأكسبها الروح معنى منه ، فيكون سماعه نوع تمتع للنفس ، كتمتعها بمباحات اللذات والشهوات ، لا أن يأخذ السماع منه أو يزيد به ، أو يظهر عليه منه أثر ، فتكون النفس في ذلك بمثابة الطفل في حجر الوالد ، يفرحه في بعض الأوقات ببعض مآربه .
ومن هذا القبيل ما نقل أن أبا محمد الراشي كان يشغل أصحابه بالسماع ، وينعزل عنهم ناحية يصلى ، فقد تطرق هذه النغمات مثل هذا المصلى فتتدلى إليها النفس متنعمة بذلك ، فيزداد مورد الروح من الأنس صفاء عند ذلك ، لبعد النفس عن الروح في تمتعها ، فإنها مع طمأنينتها بوصف من الأجنبية بوضعها وجبلتها ، وفي بعدها توفر أقسام الروح من الفتوح ، ويكون طروق الألحان سمعه في الصلاة ، غير محيل بينه وبين حقيقة المناجاة ، وفهم تنزيل الكلمات ، وتصل الأقسام إلى محالها غير مزاحمة ولا مزاحمة ، وذلك كله لسعة شرح الصدر بالإيمان .
واللّه المحسن المنان .
ولهذا قيل : السماع لقوم كالدواء ، ولقوم كالغذاء ، ولقوم كالمروحة .
ومن عود أقسام البكاء ما روى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لأبىّ « اقرأ » ، فقال : اقرأ
عوارف المعارف — صفحة 218
مساهمون: عمر السهروردي
ص٢١٨