ضرورىّ رؤيةً وما في معناها من اللقاء ونحوه ، كما نعلم بوجود إبراهيم الخليل وإسكندر وكسرى فيما مضى ولم نرهم ، ونعلم علماً ضروريّاً بوجود لندن وموسكو ولم نرهما ، ولا نسمّيه رؤية وإن بالغنا ، فأنت تقول : أعلم بوجود إبراهيم الخليل عليه السلام وإسنكدر وكسرى كأنّى
رأيتهم ، ولا تقول رأيتهم أو أراهم .
وأوضح من ذلك علمنا الضرورىّ بالبديهيّات الأوّلية التي هي بكلّيتها غير مادّية ولا محسوسة مثل قولنا : « الواحد نصف الاثنين » و « الأربعة زوج » و « الإضافة قائمة بطرفين » فإنّها علوم ضروريّة يصحّ إطلاق العلم عليها ولا يصحّ إطلاق الرؤية البتّة . ونظير ذلك جميع التصديقات العقليّة الفكريّة ، وكذا المعاني الوهميّة ، وبالجملة ما نسمّيها بالعلوم الحصوليّة لا نسمّيها رؤية وإن أطلقنا عليها العلم ، فنقول علمناها ولا نقول رأيناها ، إلّا بمعنى القضاء والحكم لا بمعنى المشاهدة والوجدان .
لكن بين معلوماتنا ما لا نتوقّف في إطلاق الرؤية عليه واستعمالها فيه ؛ نقول : أرى أنّى أنا ، وأراني كذا ،
وأكره كذا وأحبّ كذا وأبغض كذا وأرجو كذا وأتمنّى كذا ، أي أجد ذاتي وأشاهدها بنفسها من غير أن أحتجب عنها بحاجب ، وأجد وأُشاهد إراداتى الباطنة التي ليست بمحسوسة ولا فكريّة ، وأجدُ في باطن ذاتي كراهة وحبّاً وبغضاً ورجاءً وتمنّياً وهكذا .
العرش والكرسى في القرآن الكريم مراتب العلم الالهى وكيفيه وقوع البداء فيه التوحيد — صفحة 34
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٤